أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
448
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [ الحج : 38 ] ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [ النحل : 128 ] . وقد استعاذ صلى اللّه عليه وآله وسلم مما يشغل القلب وينسي الرب فقرا أو غنى ، فكان يتعوذ من الفقر المنسي والغنى المطغي . وقال : « اللهمّ اجعل رزق آل محمد قوتا « 1 » » ، وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « خير الذّكر الخفيّ « 2 » » ، أي في القلب وهو الفكرة « وخير الرزق ما يكفي « 3 » » ، وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ما طلعت شمس إلا وبجناحيها ملكان يسمعان الخلائق غير الثقلين : أيها الناس هلمّوا إلى ربكم ، ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى « 4 » » ، وقال عليه السلام : « ليس الغنى بكثرة العرض ، إنّما الغنى غنى النفس « 5 » » . وفي ذلك قيل : غنى النفس ما يكفيك عن سدّ خلّة * فإن زدت شيئا عاد ذاك الغنى فقرا وقال عبد الواحد بن زيد رضي اللّه تعالى عنه : سمعت أن جارية مجنونة في خراب الأيلة تنطق بالحكم ، فكنت أطلبها حتى وجدتها وهي محلوقة الرأس وعليها جبة صوف ، فلما رأتني قالت : مرحبا بك يا عبد الواحد ، فعجبت من معرفتها لي ولم ترني فقلت لها : رحب اللّه بك ، ثم قالت : ما جاء بك ؟ . قلت : تعظيني ، قالت : واعجبا لواعظ يوعظ يا عبد الواحد ، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية ومال إلى شيء من الدنيا سلبه اللّه حلاوة الزهد وظل حيران ولها ، فإن كان له عند اللّه نصيب عاقبه وحيا في سره فيقول له : « عبدي أردت رفع قدرك عند ملائكتي ، وأجعلك دليلا لأوليائي ، ومرشدا لأهل طاعتي ، فملت إلى عرض الدنيا وتركتني ، فأورثك ذلك الوحشة بعد الأنس ، والذل بعد العز ، والفقر بعد الغنى ، ارجع إلى ما كنت عليه ، ارجع إليك ما كنت تعرفه من نفسك ، ثم انصرفت عني وتركتني وبقيت حسرتها في قلبي » . وفي
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2372 ) ، ومسلم ( 4 / 281 ) . ( 2 ) رواه أحمد ( 1 / 132 ) ، وابن حبان ( 3 / 91 ) . ( 3 ) رواه أحمد ( 1 / 180 ) ، والبيهقي في الشعب ( 1 / 407 ) . ( 4 ) رواه أحمد في المسند ( 5 / 197 ) . ( 5 ) رواه البخاري ( 5 / 2368 ) ، ومسلم ( 2 / 726 ) .