أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
442
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
قلت : إذ لو وجدته ما طلبت شيئا ، ولا افتقرت إلى شيء أصلا ، فكل من يفرح بالوارد والحال فهو غير متحقق بالوصال ، وكل من يفتقر لغير اللّه فليس بعارف باللّه ، وكل من يحتاج إلى شيء أو يركن إلى شيء فليس من اللّه في شيء ، وليس على شيء . وكثيرا ما كنا نقول للفقراء : كل من ترونه « 1 » يزور غير الشيخ بعد أن قبض الورد فهو باق من العوام ، ولم يدخل بلاد الخصوص لقلة صدقه ، ولو دخل بلاد الخصوص لاجتمعت همته ، وإنجمع قلبه واستغنى عن ماء غيره ، فتعطشه إلى غير شيخه دليل على أنه لم يشرب من مائه ، وللّه در القائل ويقال إنه الغزالي حيث قال : كانت لقلبي أهواء مفرّقة * فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده * وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي تركت للناس دينهم دنياهم و * شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي ومن علامة الغنى به أيضا الأنس به ، والوحشة من غيره ، فاللّه يغني عن كل شيء ، ولا يغني عنه شيء ، فإذا فقد حالا أو مقاما سوى شهود ربه ثم استوحش منه فهو بعيد من الحضرة ، كما أبان ذلك بقوله : [ واستيحاشك بفقدان ما سواه دليل على عدم وصلتك به ] . قلت : استيحاشك بفقدان الأحوال والواردات دليل على عدم وصلتك ، إذ لو وصلت إليه لم تستوحش من فقدان شيء ، وفي الحقيقة ما فقدت شيئا ، وهذه علامة الغني باللّه : أنه إذا فقد شيئا مما هو في العادة يؤلم فقده كالولد مثلا أو قريبا أو فاتته عبادة حسية مثلا أو غير ذلك ، فإنه يرجع للمعرفة ، فاللّه يغني عن كل شيء وهو المقصود من العبيد ، قال اللّه تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [ الحديد : 23 ] . قال في التنوير : اعلم أن اللّه سبحانه إنما يدخلك في الحال لتنال منها لا لينال منك ، وإنما جاءت لتحمل هدية التعريف من اللّه إليك فيها ، فتوجه إليها باسمه المبدىء ، فأبداها وأبقاها حتى إذا وصلت إليك ما كان لك فيها ، فلما أدت الأمانة توجه إلهيا باسمه المعيد فأرجعها وتوفاها ، فلا تطلبن بقاء رسول بعد أن بلغ
--> ( 1 ) بالمطبوع " تروه " وما أثبتناه هو الصواب .