أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
439
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وجود الحال ولا الحلاوة شرطا في العمل إنما هي علامة ، والعلامة لا يلزم طردها ، فربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلا ، فيعطيك ثوابه آجلا ، فلا ينبغي لك أن تستحقر عملك فتتركه ، لعدم حضورك فيه أو لعدم وجدان حلاوته ، بل يجب عليك أن تدوم عليه حتى تجني ثمرته ، فمن قرع الباب يوشك أن يفتح له ، واسمع قول الشاعر : اطلب ولا تضجرن من مطلب * فآفة الطالب أن يضجرا أما ترى الحبل بتكراره * في الصخرة الصّمّاء قد أثّرا واذكر قضية العابد الذي بقي في مكة أربعين سنة وهو يقول : لبيك اللهم لبيك ، والهاتف يقول لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك ، وهو ملازم لم يبرح من موضعه ولم يرجع عن عمله ، فجاء إليه رجل يزوره فلما قال الرجل العابد : لبيك ، فقال له الهاتف : لا لبيك ، فقام الزائر منصرفا عنه وقال في نفسه : هذا رجل مطرود ، فناداه العابد ما لك ؟ فقال : يا سيدي أنت قلت : لبيك ، والقائل قال لك : لا لبيك ، فقال له : يا هذا لي أربعون سنة أسمع هذا الخطاب ، وهل ثم أبواب أخرى نأتيه منها ؟ أنا واقف ببابه ، ولو طردني ألف مرة ما برحت عن بابه ، فقبله الحق تعالى ، فلما قال : لبيك ، قال الحق تعالى : لبيك وسعديك أو كما قال . فانظر من لازم الباب كيف التحق بالأحباب ، وفتح في وجهه الباب ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أحبّ العمل إلى اللّه أدومه وإن قل « 1 » » ، وقال : « إن اللّه لا يملّ حتى تملّوا « 2 » » . فالمراد من العمل القيام برسم العبودية ، وتعظيم جانب الربوبية ، وليس المراد منها طلب الأحوال والمقامات ، فإن ذلك قدح في الإخلاص عند أهل التوحيد الخاص ، وقد يكون الحال سببا في الحجاب لمن وقف معه واستحلاه ، ولذلك قال بعضهم : اتقوا حلاوة الطاعة فإنها سموم قاتلة : أي لمن وقف معها ، وكم ينفذ لي شهود المعبود بها ، فلا تكن عبد الحال وكن عبد المحول كما نبه على ذلك المؤلف بقوله :
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 24 ) ، بلفظ : الدين - بدل - العمل ، وفي مسلم ( 4 / 2171 ) ، بلفظ العمل . ( 2 ) تقدم في سابقه .