أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
43
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
عَلى أَمْوالِهِمْ [ يونس : 88 ] ، أربعون سنة على ما قيل وإن تعين زمنه ولم يقع ذلك عند حلوله فلا تشك في صدق ذلك الوعد فقد يكون ذلك مترتبا على أسباب وشروط غيبية أخفاها اللّه تعالى عن ذلك النبي أو الولي لتظهر قهرية عزته وحكمته وتأمل قضية سيدنا يونس عليه السلام حيث أخبر قومه بالعذاب لما أخبر به وفرّ عنهم ، وكان ذلك متوقفا على عدم إسلامهم ، فلما أسلموا تأخر عنهم العذاب ، وكذلك قضية سيدنا نوح عليه السلام حيث قال : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [ هود : 45 ] فوقف مع ظاهر العموم فقال له تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ هود : 46 ] ، ونحن إنما وعدناك بنجاة الصالح من أهلك ، وإن فهمت العموم فعلمنا متسع . ولهذا السر الخفي كان الرسل عليهم الصلاة والسلام وأكابر الصديقين لا يقفون مع ظاهر الوعد ، فلا يزول اضطرارهم ولا يكون مع غير اللّه فرارهم بل ينظرون لسعة علمه تعالى ونفوذ قهره ومنه قول سيدنا إبراهيم الخليل : وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [ الأنعام : 80 ] ، وقول سيدنا شعيب عليه السلام : وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها [ الأعراف : 89 ] ، أي في ملة الكفر إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [ الأعراف : 89 ] وقضية نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم بدر حيث دعا حتى سقط رداؤه وقال : « اللهم عهدك ووعدك اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد بعد اليوم « 1 » » ، فقال له الصديق : حسبك يا رسول اللّه فإن اللّه منجز لك ما وعدك فنظر المصطفى صلى اللّه عليه وآله وسلم ، أوسع لعدم وقوفه مع ظاهر الوعد ووقف الصديق مع الظاهر فكل على صواب والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، أوسع نظرا وأكمل علما . وأما قضية الحديبية فلم يتعين فيها زمن الوعد لقوله تعالى : فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا [ الفتح : 27 ] ، وقد قال صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمر حين قال له :
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1067 ) .