أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

27

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

ملئت بالعلوم والمعارف والأنوار ، ولا يصح الانتقال إلى مقام حتى يحقق ما قبله ، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته ، فلا ينتقل إلى عمل الطريقة حتى يحقق عمل الشريعة وترتاض جوارحه معها بأن يحقق التوبة بشروطها ويحقق التقوى بأركانها ويحقق الاستقامة بأقسامها ، وهي متابعة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله ، فإذا تزكى الظاهر وتنور بالشريعة ، انتقل من عمل الشريعة الظاهرة إلى عمل الطريقة الباطنة ، وهي التصفية من أوصاف البشرية على ما يأتي ، فإذا تطهر من أوصاف البشرية تحلى بأوصاف الروحانية وهي الأدب مع اللّه في تجلياته التي هي مظاهره ، فحينئذ ترتاح الجوارح من التعب ، وما بقي إلا حسن الأدب . قال بعض المحققين : من بلغ إلى حقيقة الإسلام لم يقدر أن يفتر عن العمل ، ومن بلغ إلى حقيقة الإيمان لم يقدر أن يلتفت إلى العمل بسوى اللّه ، ومن بلغ إلى حقيقة الإحسان لم يقدر أن يلتفت إلى أحد سوى اللّه ، انتهى . ولا يعتمد المريد في سلوك هذه المقامات على نفسه ولا على عمله ولا على حوله وقوته ، وإنما يعتمد على فضل ربه وتوفيقه وهدايته وتسديده قال تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [ القصص : 68 ] . وقال تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ [ الأنعام : 112 ] ، وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [ هود 118 : 119 ] ، وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » ، فالاعتماد على النفوس من علامة الشقاء والبؤس ، والاعتماد على الأعمال من عدم التحقق بالزوال ، والاعتماد على الكرامة والأحوال من عدم صحبة الرجال ، والاعتماد على اللّه من تحقق المعرفة باللّه ، وعلامة الاعتماد على اللّه أنه لا ينقص رجاؤه إذا وقع في العصيان ، ولا يزيد رجاؤه إذا صدر منه إحسان ، أو تقول : لا يعظم خوفه إذا صدرت منه غفلة كما لا يزيد رجاؤه إذا وقعت منه