أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

150

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

55 - الأنوار مطايا القلوب والأسرار . قلت : النور : نكتة تقع في قلب العبد من معنى اسم أو صفة يسري معناها في كليته ، حتى يبصر الحق والباطل إبصارا لا يمكنه التخلف معه عن موجبه ، قاله الشيخ زروق ، والمطايا : جمع مطية ، وهي الناقة المهيأة للركوب ، والقلوب : جمع قلب ، وهو الحقيقة القابلة للمفهومات ، والأسرار : جمع سر وهو الحقيقة القابلة للتجليات ، والسر أدق وأصفى من القلب ، والكل اسم للروح ، فإن الروح ما دامت مظلمة بالمعاصي والذنوب والشهوات والعيوب سميت نفسا ، فإذا انزجرت وانعقلت انعقال البعير ، سميت عقلا ، وما زالت تتقلب في الغفلة والحضور لذلك سميت قلبا ، فإذا اطمأنت وسكنت واستراحت من تعب البشرية سميت روحا ، فإذا تصفت من غبش الحس سميت سرّا لكونها صارت سرّا من أسرار اللّه حين رجعت إلى أصلها وهو سر الجبروت ، فإذا أراد اللّه تعالى أن يوصل عبده إلى حضرة قدسه ويحمله إلى محل أنسه ، أمده بواردات الأنوار كالمطايا فيحمل عليها في محفة العناية مروحا عليه بنسيم الهداية محفوفا بنصرة الرعاية ، فترحل الروح من عوالم البشرية إلى عوالم الروحانية حتى تصير سرّا من أسرار اللّه لا يعلمها إلا اللّه : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] ، فالأنوار التي هي الواردات مطايا القلوب تحملها إلى حضرة علام الغيوب ، وهي أيضا مطايا الأسرار تحملها إلى جبروت العزيز الجبار ، فالسلوك هداية ، والجذب عناية ، فوارد الانتباه والإقبال حمله سلوك ، ووارد الوصال حمله جذب ، فالأنوار التي هي مطايا القلوب تحملهم على وجهة السلوك إلا أنهم محمولون فيه بحلاوة نور الانتباه والإقبال ، فصار سلوكهم كأنه جذب ، وأما الأنوار التي تحملهم على مطايا الأسرار ، فإنها تحملهم على جهة الجذب ممزوجا بسلوك ، فيكونون بين جذب وسلوك ، وهذا الحمل أعظم ، واللّه تعالى أعلم . ثم بين كيفية السير على هذه المطايا وما يعوقها عن السير فقال :