أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
126
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
تَعْمَى الْأَبْصارُ [ الحج : 46 ] عن إدراك الحس ، لأنها أدركته وحجبت به ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ [ الحج : 46 ] عن إدراك المعنى ، فلا ترى إلا الحس ولا تحب إلا إياه ، ولا تطلب شيئا سواه ، نسأل اللّه عافيته وهداه . قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه : عمى البصيرة في ثلاث : إرسال الجوارح في معاصي اللّه ، والطمع في خلق اللّه ، والتصنع بطاعة اللّه اه . ثم إذا طلبت الحق الذي لا انفكاك لك عنه ورحلت إليه فاطلب معرفة ذاته لا زخارف جناته ، إذ هي كون من مكوناته ، ولذلك قال : 42 - لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير ، والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه ، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكوّن وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى . قلت : الرحيل من الكون إلى الكون هو الرحيل من السوى إلى طلب السوى ، وذلك كمن زهد في الدنيا وانقطع إلى اللّه ، يطلب بذلك راحة بدنه ، وإقبال الدنيا عليه ، لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من انقطع إلى اللّه كفاه كلّ مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب « 1 » » ولقوله أيضا : « من كانت الآخرة نيّته جمع اللّه عليه أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي صاغرة « 2 » » . وكمن زهد فيها يطلب الخصوصية كإقبال الخلق والعز وتربية المهابة في قلوب الناس ، أو زهد فيها يطلب الكرامة وخوارق العادات ، أو زهد فيها يطلب القصور والحور فهذا كله رحيل من كون إلى كون ، فمثله كحمار الطاحونة يسير الليل والنهار وهو في موضعه ، فالذي ارتحل منه هو الذي ارتحل إليه ، فمن كانت همته الحظوظ النفسانية
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 2 / 120 ) ، والخطيب في تاريخ بغداد ( 7 / 196 ) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية ( 2 / 8041 ) . ( 2 ) رواه ابن ماجة ( 2 / 1375 ) ، وأحمد في جامع العلوم والحكم ( 1 / 300 ) ، وابن عبد البر في التمهيد ( 21 / 276 ) .