أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

119

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

الرسوخ والتمكين لأهل المكالمة أو تقول : شعاع البصيرة نور علم اليقين ، وعين البصيرة هو نور عين اليقين ، وحق البصيرة هو نور حق اليقين ، فعلم اليقين لأهل الدليل والبرهان ، وعين اليقين لأهل الكشف والبيان ، وحق اليقين لأهل الشهود والعيان . مثال ذلك كمن سمع بمكة مثلا ولم يرها ، فهذا عنده علم اليقين ، فإذا استشرف عليها ورآها ولم يدخلها فهو عين اليقين ، فإذا دخلها وتمكن فيها فهو حق اليقين ، وكذلك طالب الحق فما دام من وراء الحجاب فانيا في الأعمال ، فهو في علم اليقين ، فإذا استشرف على الفناء في الذات ، ولم يتمكن من الفناء فهو عين اليقين ، فإذا رسخ وتمكن فهو في حق اليقين ، أو تقول : شعاع البصيرة لأهل عالم الملك ، وعين البصيرة لأهل عالم الملكوت ، وحق البصيرة لأهل عالم الجبروت ، أو تقول : شعاع البصيرة لأهل الفناء في الأعمال ، وعين البصيرة لأهل الفناء في الذات ، وحق البصيرة لأهل الفناء في الفناء « 1 » . فشعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك ، أي يوجب لك شهود قرب نور الحق منك : قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] ، وقال تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] . وعين البصيرة يشهدك عدمك أي زوالك بزوال وهمك لوجوده أي وجود الحق إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه ، فإذا زال عنك الوهم ، وفنيت عن وجودك شهدت ربك بربك ، وهو علامة فتح البصيرة وعلاج السريرة ، كما قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب : من رأى المكوّن بالكون * عزّه في عمى البصيرة ومن رأى الكون بالمكوّن * صادف علاج السّريرة

--> ( 1 ) وأغلب الصوفية يجعلونها ثلاث مراتب هي بعبارة أخرى توحيد الأفعال وتوحيد الصفات وتوحيد الذات . وفناء الفناء على هذا من مشتملات مقام الفناء في الذات ، فلا يفرد بقسم خاص ، واللّه أعلم .