أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

113

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

حسي لكان لوجوده حاصرا إذ محال أن يستره من جميع الوجوه ولا يحصره ، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر ، كيف ، واللّه تعالى يقول : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [ الأنعام : 18 ] ، أي لأنهم في قبضته ، وتحت تصريف قدرته ، وتخصيص إرادته ومشيئته ، والفوقية عبارة عن رفعة الجلال والمكانة لا المكان كما يقال : السلطان فوق الوزير ، والسيد فوق عبده والمالك فوق المملوك وغير ذلك ، مما يثبت الكبرياء وينفي سمات الحدوث ، واللّه تعالى أعلم . ولما كان حجاب الروح عن المعرفة أمرا وهميّا عدميّا لا حقيقة له ، وهو مرضها بأوصاف البشرية ، فلو صحت لعرفت أشار إلى ذلك بقوله : 34 - اخرج من أوصاف بشريّتك عن كلّ وصف مناقض لعبوديّتك ، لتكون لنداء الحقّ مجيبا ، ومن حضرته قريبا . قلت : أوصاف البشرية : هي الأخلاق التي تناقض خلوص العبودية ، ومرجعها إلى أمرين : الأول : تعلق القلب بأخلاق البهائم وهي شهوة البطن والفرج وما يتبعهما من حب الدنيا وشهواتها الفانية قال اللّه تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ [ آل عمران : 14 ] . الثاني : تخلّقه بأخلاق الشياطين كالكبر والحسد والحقد والغضب والحدة وهي القلق ، والبطر وهو خفة العقل ، والأشر وهو التكبر ، وحب الجاه والرياسة والمدح والقسوة والعطاء والفظاظة والغلظة ، وتعظيم الأغنياء ، واحتقار الفقراء ، وكخوف الفقر وهم الرزق والبخل والشح والرياء والعجب ، وغير ذلك مما لا يحصى حتى قال بعضهم : للنفس من النقائص ما للّه من الكمالات . وقد ألف الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي كتابا في عيوب النفس وأدويتها ، ونظمه الشيخ زروق في نحو ثمانمائة بيت .