محمد بن عبد الرحمن المليجي الشعراني الشافعي
22
مناقب القطب الرباني سيدي عبد الوهاب الشعراني
وكان رضي اللّه عنه يملأ جرته كل يوم من ساحل بولاق . وكان رضي اللّه عنه يصوم يوما ويفطر يوما ويقوم كل ليلة يتهجد بنصف القرآن صيفا وشتاء حتى بعد موته يسمعه بعض أهل الكشف وجيران قبره يقرأ من سورة مريم إلى آخر القرآن بصوت حزين يخشع سامعه لقراءته يسمعون صوته ولا يرون شخصه . وكان رضي اللّه عنه إذا طحن قمحه في الطاحون يقلب حجرها ويخرج ما تحته من دقيق الناس ويعجنه ويطعمه للكلاب ثم يطحن قمحه ويترك للناس بعده تحت حجرها الدقيق من قمحه . قلت : لمعرفته بسماحة أصحابه في مثل ذلك ، واللّه أعلم . ولم يأكل من فراخ الحمام التي في أبراج الريف إلى أن مات . وكان ولده سيدي أحمد رضي اللّه عنه يأتيه بفتاوى العلماء بحل أكل فراخ حمام الأبراج فيقول له يا ولدي كل من الخلق يفتي بقدر ما علمه اللّه تعالى . ثم يقول يا ولدي إنها تأكل الحب أيام البدار ويطيرونها بالقلاع . وكذلك يعملون لها أشياء تجفلها في الجرون ، ولو كان الفلاحون يسمحون بما يأكله الحمام ما فعلوا شيئا مما ذكرنا . ثم بالغ في الورع حتى ترك أكل عسل النحل ، وقال إني رأيت أهل الفواكه ببلادنا يطيرون النحل عن زهر الخوخ والمشمش وغيرهما ولا يسمحون بأكل أزهارهم . فقال له ولده رحمه اللّه أن قوله « كلي » « 1 » تفيد العموم فنحن على العموم . فقال الخاص مقدم على العام ، وقد حرم اللّه عليك أن ترعى بقرتك في زرع الناس بغير رضاهم ثم تشرب لبنها . فكشف ولده رضي اللّه عنه رأسه واستغفر اللّه ، وقال لوالده مثلي لا يكون مسلمّا لك يا سيدي ؟ ! « 2 »
--> ( 1 ) وذلك قوله تعالى مخاطبا أمة النحل : ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( سورة النحل آية : 69 ) . ( 2 ) أي : كيف لا أسلمّ لك قولك ! !