أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
98
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
ولا تسوف فتغشاك ظلمتها وتنحل أعضاؤك لها ، ثم لا بد من معانقتها إما بالهمة والفكر أو بالإرادة والحركة ، فعند ذلك يتحير اللب ويكون العبد كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى [ الأنعام : 71 ] ولا هدى إلا لمن اتقى ، ولا تقوى إلا لمن أعرض عن الدنيا ، ولا يعرض عن الدنيا إلا من هانت عليه نفسه ، ولا تهون النفس إلا عند من عرفها ، ولا يعرفها إلا من عرف اللّه ، ولا يعرف اللّه إلا من أحبه ، ولا يحب اللّه إلا من اصطفاه اللّه واجتباه ، وحال بينه وبين نفسه وهواه ، وقل : يا اللّه يا قدير يا مريد ، يا عزيز يا حكيم يا حميد ، يا رب يا ملك يا موجود ، يا هادي يا منعم وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ آل عمران : 8 ] وأنعم على عبدك بنعمة الدين وبنعمة الهداية إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ( 53 ) [ الشّورى : 52 ، 53 ] بحرمة هذا الاسم الأعظم آمين . وقال رحمه اللّه : إذا توجهت إلى شيء من عمل الدنيا والآخرة فقل : يا قوي يا عزيز يا عليم يا قدير يا سميع يا بصير . وقال رحمه اللّه : إذا ورد عليك مزيد من الدنيا والآخرة فقل : حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ [ التّوبة : 59 ] . وقال رحمه اللّه : أيها الحريص على سبيل نجاته الفائق إلى حضرة حياته اجتنب الاستكثار مما أباحه اللّه لك ، ودع ما لا يدخل تحت علمك مما أحله اللّه لك وبادر إلى فرائضك ، واترك ما اشتغل الناس به شغلا بمراعاة سرك ، ففي ترك الاستكثار الزهد ، وفي ترك ما لا يدخل تحت علمك الورع بقوله عليه الصلاة والسلام « البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس بغير ذلك » فافهم . وفي الاشتغال بمراعاة السر الإشراف على حقائق الإيمان ، فإن كنت تاجرا كيّسا فدع ما تريد لما تريد ، بشرط الرضا بجميع أحكامه وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [ المائدة : 50 ] « الدنيا حرامها عقاب ، وحلالها حساب » « 1 » حسب الحديث ، والدنيا التي لا حساب عليها في الآجل ، ولا حجاب
--> ( 1 ) رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ، ذكر من اسمه محمد ، ( ج 5 ص 370 ) وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ، بلفظ : « من أخذ من الدنيا من الحلال حاسبه اللّه ، ومن أخذ من الدنيا من الحرام عذّبه اللّه ، أفّ للدنيا وما فيها من البليات ، حلالها حساب وحرامها عذاب » . ( كتاب الأخلاق ، الإكمال ، حديث رقم 6322 ) ورواه غيرهما .