أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
54
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
بالأسباب ، وركون النفس إلى الجهة المخصوصة من الاكتساب ، واكتفاء العقل بما يحصل له من الاقتراب ، وخطرات العدو بالأماني الصادرة عن المرام . واعلم أن آفاتها في خواصهم أيضا أربع : الاستئناس بالوسواس ، والتحدث والرجوع إلى الناس ؛ والتجديد في الوقت وهو من أمارات الإفلاس وملاقاة هواتف الحق على زعمه بالمعهود من الحواس ، ولكل آفة سبيل في الجهاد بالرد إلى أصل التوحيد والمعرفة والحمل على سبيل الاستقامة ، فإذا عرض لك عارض من جهة التعلق بالأسباب والركون إلى الجهة المخصوصة في الاكتساب ، فأرجعها إلى أصل المعرفة بالسوابق فيما قسم لها أو أجري عليها ، وقل لها أتخذت عند اللّه عهدا أنك لن ترزقي إلا بهذا السبب أو من هذه الجهة وضيق عليها بالمعرفة ، وأغرقها في بحر التوحيد ، وقل « ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن » ولذلك قالوا : غرق الدنيا في بحر التوحيد قبل أن تغرقك ، وإن عرض لك عارض من جهة اكتفاء العقل بما حصل له من علم أو عمل أو نور أو هدى أو خطاب بنجوى فلا تغفل عن السابقة والخاتمة ، ولا بد من فعل الواحد المختار الذي يفعل ما يشاء ، ولا يبالي بحسنة المقبل ولا بسيئة المدبر ، وإن عرض لك عارض من خطرات العدو الصادرة عن المراد ، والمراد بالعبودية المحضة وجود الحق بلا سبب من الخلق فاللّه تعالى يقتضي منك أن تكون له عبدا وتحب أنت أن يكون لك ربا ، فإذا كنت له عبدا من حيث يرضى كان لك ربا من حيث ترضى ، ولا يدعك لغيره من طريق الحقائق ، فكيف بالأماني ، فاعلم هذا الباب وأتقنه جدا ؛ واستعن باللّه ، واصبر إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 153 ] فإذا كنت في درجة الخواص من القاصدين ، وعرض لك في معرفتك الوسواس بما يشبه العلم من طريق الإلهام والكشف من حيث التوهم فلا تقبل وارجع إلى الحق المقطوع به من كتاب اللّه أو سنّة رسول اللّه . واعلم أن الذي عارضك لو كان حقا في نفسه وأعرضت عنه إلى حق بكتاب اللّه أو سنّة رسوله صلى اللّه عليه وسلم لما كان عليك عيب في ذلك ، لأنك تقول إن اللّه قد ضمن لك العصمة في جانب الكتاب والسنة . ولم يضمنها في جانب الكشف والإلهام ، فكيف ذلك ، ولو قلت ذلك من طريق الإلهام لم تقبله إلا بالعرض على الكتاب والسنة . فإذا لم تقبله إلا بهما فما بالك تأنس بالوساوس المتوهمة ، واحفظ هذا الباب حتى تكون على بينة من ربك وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [ هود : 17 ] والشاهد ذلك ، والبينة لا خطأ معها ولا إشكال ، والحمد للّه . وإذا عرض لك فيها عارض التحدث بالرجوع إلى الناس لتعرض عليهم ما أنت فيه وأنت معهم ، لم تخرج عنهم بشيء ، ولا تفتر