أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

32

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

وكنت إذا سافرت لا أحمل معي زادا ، وإذا أصابني الجوع أسمع كلاما من خلفي يقول لي : يا ماضي ارجع عن يمينك تجد ما تأكل ، وكذلك إذا عطشت فأجد طعاما طيبا وماء عذبا ، قال : فخرجنا ومشينا وجدّ بنا السير ، فلما تعالى النهار قال : يا ماضي أطعمني قد جعت وإذا بكلام الشيخ على العادة يقول : يا ماضي جاع ضيفك أخرج عن يمينك تجد ما تطعمه ، فخرجت عن يمين الطريق فوجدت مخفية مملوءة كنافة سكرية مخلطة بالمسك وماء الورد فأكلنا حتى ملئنا ، فبقي الرجل متعجبا مما رأى من العجب ، فقلت له : أيما أطيب هذا الطعام أو ما أشرت إليه في دكان الحلواني فلان ؟ فقال : واللّه ما رأيت قط ولا سمعت بهذا ولا يصنع مثله في قصر ملك ، فأراد أن يرفع بقيته فمنعته وتركها على حالها ، ومشينا يسيرا فعطشنا وإذا بكلام الشيخ يقول : يا ماضي اخرج عن يمينك فخذ الماء فخرجت له فوجدنا غديرا بماء عذب في الرمل فشربنا واضطجعنا ساعة وقمنا فما وجدنا قطرة من الماء ، فقال الرجل : أين الماء الذي كان هنا ، فقلت : لا علم لي به ، فقال : واللّه لقد تمكن هذا الشيخ تمكينا عظيما واللّه لا أرجع إلى أهلي حتى أنال ما نال هذا الشيخ أو أموت في اللّه ، فخلّى فروته عندي ومشى في البرية وهو يقول : اللّه اللّه ، قال : فلما قضيت سفرتي ورجعت للشيخ قال : يا ماضي ودرت ضيفك ؛ فقلت : أنت ودرته ، أنت الذي أطعمته الكنافة السكرية في البرية وأسقيته الماء في الرمل ، فقال لي : يا ماضي مر في الذاهبين إلى اللّه . وحدثني أيضا أبو العزائم ماضي قال : حججت سنة من السنين عن إذنه ؛ فلما قضيت مناسكي وأتيت أطوف طواف الوداع قام أهل مكة على من بقي في الحرم من الحجاج ونهبوهم وكان عندي أمانات للناس ، فدخلت الحجر ووقفت تحت الميزاب وقلت : إن خرجت نهبوني ، وإن أقمت أقمت بأموال الناس عندي ، فبكيت حائرا لا أدري ما أصنع ، فناديت بالشيخ وإذا به واقف بباب الندوة وهو يشير إليّ فبادرته ، فولى خارجا فاتبعته ولم أقدر على اللحوق به والوصول إليه ، فلم أزل كذلك حتى دخلت الركب فلما دخلت الركب طلبته فلم أجده فلما وصلت إلى إسكندرية أتيت إليه وسلمت عليه فسألني عن حالي وقال لي : يا ماضي لما اشتد الحال عليك وناديت بنا أتينا إليك وخلصناك مما كنت فيه . وحدثني أيضا قال : حججت سنة من السنين ، فلما وصلنا إلى المدينة المكرمة ودخلنا مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كشف الشيخ عن رأسه وجعل يقول صلوات اللّه وملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه من أهل سماواته وأرضه عليك يا سيدي يا