أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

29

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

وكان قطب الزمان فمات البارحة وأخلفه اللّه تعالى بأبي الحسن الشاذلي فأتيت إليه حتى بايعته بيعة القطبانية ، فلما وصلنا الإسكندرية وخرج الناس يتلقون الركب رأيت الشيخ أبا علي السماط يضرب بيده على مقدم الرجل وهو يبكي ويقول : يا أهل هذه البلدة لو علمتم من قدم عليكم في هذا القفل لقبلتم أخفاف بعيره قدمت واللّه عليكم البركات . قال : وحدثني أيضا أبو عبد اللّه الناسخ قال : كنت أمشي خلف الشيخ أبي الحسن الشاذلي وهو راكب في محارة ، فرأيت رجلين يمشيان تحت ظل رحله فقال أحدهما للآخر : يا فلان رأيت فلانا يسيء معك العشرة وأنت له محسن فقال له : هو من بلدي وأقول كما قال مجنون ليلى : رأى المجنون في البيداء كلبا * فجر له من الإحسان ذيلا فلاموه على ما كان منه * وقالوا كم أنلت الكلب نيلا فقالوا دعوا الملامة إن عيني * رأته مرة في حي ليلى قال : فأخرج الشيخ أبو الحسن رأسه من المحارة وقال : أعد يا بني ما قلت ، فأعاد مقالته فتحرك الشيخ في المحارة وقال : دعوا الملامة إن عيني * رأته مرة في حي ليلى وجعل يكررها مرارا ورمى له غفارة زبيبية اللون وقال له : خذها يا بني وألبسها فأنت أولى بها مني ، جزاك اللّه يا بني على حسن عهدك خيرا ، قال : فأشرت إليه وقلت له : ناولني إياها فناولنيها فأخذتها وقبّلتها وأخذت جملة دراهم وناولتها له فقال لي : واللّه لو أعطيتني ملأها ذهبا ما بعتها به : هذه واللّه ذخيرة حصلت عندي لأجعلنها في كفني وما أنا أمشي تحت هذه المحارة إلا لعل اللّه يرحمني بما أسمع من ذكره . واعلم أن الرحمة تنصب عليه فلعلي أنال منها شيئا ، فعلمت أنه أعرف بالشيخ مني . وقال رضي اللّه عنه : لما قدمت على بلاد المشرق قيل لي : يا علي ذهبت أيام المحن ، وأقبلت أيام المنن عشر بعشر ، اقتد بجدك صلى اللّه عليه وسلم . وحدثني من أثق به قال : كان في العام الذي قدم فيه الشيخ بموسم الحج تحرك الثغر على ملك القاهرة ، فاشتغل الملك بالحركة عليهم ، فلم يجهز الجيش إلى المحمل ، وأخرج الشيخ خباءه إلى البركة واتبعه الناس ، قال : فاجتمع الناس بالفقيه القاضي عز الدين بن عبد السلام وسألوه عن السفر ؟ فقال : لا يجوز السفر على الغور وعدم الجيش ، فأخبر الشيخ