أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

26

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

قال رضي اللّه عنه : فهممت بالدعاء على السلطان ، فقيل لي : إن اللّه لا يرضى لك أن تدعو بالجزع من مخلوق ، فألهمت أن أقول : يا من وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم ، أسألك الإيمان بحفظك إيمانا يسكن به قلبي من هم الرزق وخوف الخلق ، وأقرب مني بقدرتك قربا تمحق به عني كل حجاب محقته عن إبراهيم خليلك ، فلم يحتج لجبريل رسولك ، ولا لسؤاله منك ، وحجبته بذلك عن نار عدوه : وكيف لا يحجب عن مضرة الأعداء من غيبته عن منفعة الأحياء ، كلا إني أسألك أن تغيبني بقربك مني حتى لا أرى ولا أحس بقرب شيء ولا ببعده عني ، إنك على كل شيء قدير . قال : وكان عند السلطان جارية من أعز جواريه عليه فأصابها في ذلك اليوم وجع فماتت من ساعتها ، وأصيب السلطان بسببها وغسلت في بيت سكناها ، وبخروا أكفانها ، واشتغلوا بدفنها ونسوا المجمرة في القبة ، فاحترق جميع ما في القبة من الفرش والملابس والذخائر والأموال وذلك لا يحصى ولا يعد ، فعلم السلطان أنه أصيب من أجل هذا الولي ، فسمع بذلك أخو الملك أبو عبد اللّه اللحياني وكان ذلك اليوم في جنانه بخارج المدينة ، فأتى مبادرا للشيخ وكان كثير الزيارة والاعتقاد في الشيخ رضي اللّه عنه ، فقال لأخيه : ما هذا الذي أوقعك فيه ابن البراء ، أوقعك واللّه في الهلاك أنت ومن معك ، قم بنا إليه ، فقام معه الملك ودخلا على الشيخ رضي اللّه عنه وجعل الشيخ أبو عبد اللّه اللحياني يقول : يا سيدي أخي واللّه غير عارف بمقدارك ، وجعل يقبّل يديه ورجليه ويسأله الصفح عنه ، فقال له الشيخ : واللّه إن أخاك لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، كان ذلك في الكتاب مسطورا . قال : وخرج الشيخ أبو عبد اللّه اللحياني بصحبة الشيخ رضي اللّه عنه حتى وصل إلى داره ثم رجع فأقام الشيخ بتونس أياما ثم باع ربعه الذي بمسجد البلاط وهي الدار القبلية لباب القيسرية التي فوقها ، وأمر أصحابه إلى بلاد المشرق ، ووجه إلى ابن البراء : أتراني أوسع لك مدينة تونس . قال : وحدثني الشيخ الصالح أبو العزائم ماضي ابن سلطان خديم الشيخ قال : كنا يوما ماشيين مع الشيخ ، وإذا بابن البراء فسلّم الشيخ عليه فأعرض عنه ولم يرد عليه السلام ، وإذا بالفقيه أبي عبد اللّه بن أبي الحسن حاجب السلطان فلما رآه ترجل عن بغلته وبادر إلى الشيخ يقبّل يديه ويطلب منه الدعاء ، فدعا له وانصرف ؛ فلما دخل الدار قال : خوطبت الآن في هؤلاء الاثنين ، قيل لي يا علي وسم عبد بالشقاوة علم الحق وتعامى عنه ، ولو علم ما علم ، ووسم عبد بالسعادة علم الحق وأتى إليه