أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
24
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
لم تكله لأكلتم منه ما دام عندكم . وكان أول من صحبه بشاذلة سيدنا الشيخ الصالح الولي المكاشف أبو محمد عبد اللّه بن سلامة الحبيبي من أهل شاذلة ، كان يدخل مدينة تونس ويحضر مجلس سيدنا الشيخ الصالح العارف الفاضل أبي حفص الجاسوس وهو مشتمل في خولي ، فيقول الشيخ رضي اللّه عنه : العوالي في الخوالي ، قال : فأخذت يده يوما وقلت له : يا سيدي اتخذتك شيخي ، فقال : لا يا بني ارتقب شيخك حتى يصل من المغرب شريف حسني من أكابر الأولياء هو أستاذك وإليه تنتسب ، فكان يرتقبه وكل من يراه من الفقراء والمغاربة يصحبه حتى قدم الشيخ إلى شاذلة ، فاجتمع به وكان ذلك إكراما به وسابقة خير له ، فصحبه ولازمه حتى توجه معه إلى جبل بزعفران وتعبد معه وجاهد معه زمنا طويلا ، وروى عنه كرامات كثيرة ، قال : فما حكى عنه ؟ قال : قرأ يوما على جبل زعفران سورة الأنعام إلى أن بلغ قوله تعالى : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها [ الأنعام : 70 ] أصابه حال عظيم وجعل يكررها ويتحرك ، وكلما مال إلى جهة مال الجبل نحوها حتى سكن فسكن الجبل . وحدثنا الشيخ الصالح أبو الحسن علي الأبرقي المعروف بالحطاب ، قال : قلت يوما لسيدي أبي محمد عبد اللّه الحبيبي أخبرني عن بعض ما رأيت لسيدي أبي الحسن ، قال : رأيت له أشياء كثيرة ، وسأحدثكم عن بعض ذلك : أقمت معه بجبل زعفران أربعين يوما أفطر على العشب وورق الدفلا حتى تقرحت أشداقي ، فقال لي : يا عبد اللّه كأنك اشتهيت الطعام ، فقلت له : يا سيدي نظري إليك يغنيني عنه ، فقال : غدا إن شاء اللّه ، فهبط إلى شاذلة وتلقانا في الطريق كرامة ، قال : فهبطنا فلما صرنا في وطاء الأرض قال لي : يا عبد اللّه إذا خرجت عن الطريق فلا تتبعني ، قال : فأصابه حال عظيم وخرج عن الطريق حتى بعد عني ، فرأيت طيورا أربعة على قدر البراريج نزلوا من السماء وصاروا على رأسه صفا ثم جاء إليه كل واحد منهم وحدثه ، ورأيت معهم طيورا على قدر الخطاطيف وهم يحفون به من الأرض إلى عنان السماء ويطوفون حوله ثم غابوا عني ، ثم رجع إلي وقال لي : يا عبد اللّه هل رأيت شيئا ؟ قلت : نعم ، وأخبرته بما رأيت ، فقال لي : أما الطيور الأربعة فهم من ملائكة السماء الرابعة أتوا ليسألوني عن علم فجاوبتهم عليه ، وأما الطيور الصغار الذين هم على شكل الخطاطيف فهم أرواح الأولياء أتوا إلينا ليتبركوا بقدومنا ، قال : فأقمنا بجبل زعفران زمنا طويلا وأنبع اللّه علينا عينا تجري بالماء العذب ، وله هناك مغارة كان يسكنها ويسمع الآن فيها الأذان من أسفل الجبل فيصعدون إليها فلا يجدون أحدا يعمرها وذلك في أوقات .