أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
16
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
قال : وكنت يوما جالسا بين يديه وفي حجره ولد صغير ، فخطر ببالي أن أسأله عن اسم اللّه الأعظم ؟ فقام الولد إلي ورمى يده إلى أطواقي وقال : يا أبا الحسن أردت أن تسأل الشيخ عن الاسم الأعظم ، إنما الشأن أن تكون أنت هو الاسم ، يعني سر اللّه مودع في قلبك ، قال : فتبسم الشيخ وقال : أجابك فلان عنا ، وكان إذ ذاك قطب الزمان ، ثم قال لي : يا علي ارتحل إلى أفريقية واسكن بها بلدا تسمى شاذلة فإن اللّه يسميك الشاذلي ، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس ويؤتى عليك بها من قبل السلطنة ، وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد المشرق وترث فيها القطبانية ، فقلت له : يا سيدي أوصني ، فقال : اللّه اللّه ، والناس تنزه لسانك عن ذكرهم ، وقلبك عن التماثيل من قبلهم : وعليك بحفظ الجوارح وأداء الفرائض ، وقد تمت ولاية اللّه عليك ، ولا تذكرهم إلا بواجب حق اللّه عليك وقد تم ورعك ، وقل : اللهم ارحمني من ذكرهم ، ومن العوارض من قبلهم ، ونجني من شرهم ، وأغنني بخيرك عن خيرهم ؛ وتولني بالخصوصية من بينهم ؛ إنك على كل شيء قدير . وقال رضي اللّه عنه : لما دخلت مدينة تونس وأنا شاب صغير ، فوجدت بها مجاعة شديدة ، ووجدت الناس يموتون في الأسواق فقلت في نفسي لو كان عندي ما أشتري به خبزا لهؤلاء الجياع لفعلت ، فألقى في سري خذ ما في جيبك فحركت جيبي فإذا فيه دراهم ، فأتيت إلى خباز بباب المغارة ، فقلت له عد خبزك فعده عليّ فتناولته للناس فتناهبوه ثم أخرجت الدراهم فناولتها الخباز : فقال هذه مفارقة ؛ وأنتم معاشر المغاربة تستعملون الكيمياء . قال الشيخ : فأعطيته برنسي وكرزبتي من على رأسي رهنا في ثمن الخبز وتوجهت إلى جهة الباب ، وإذا برجل واقف عند الباب ، فقال : يا علي أين الدراهم فأعطيتها له فهزها في يده وردها إليّ وقال : ادفعها إلى الخباز فإنها طيبة ، فرجعت إلى الخباز وأعطيتها له ، فقال : نعم هذه طيبة وأعطاني برنسي وكرزبتي ، ثم طلبت الرجل فلم أجده ، فبقيت متحيرا في نفسي إلى أن دخلت الجامع يوم الجمعة وجلست عند المقصورة في الركن الشرقي فركعت تحية المسجد وسلمت وإذا بالرجل عن يميني فسلّمت عليه ، فتبسم وقال لي : يا علي أنت تقول لو كان عندي ما تطعم به هؤلاء الجياع لفعلت تتكرم على اللّه الكريم في خلقه ولو شاء لأشبعهم وهو أعلم بمصالحهم ؟ فقلت له : يا سيدي باللّه من أنت ؟ قال : أنا أحمد الخضر ، كنت بالصين وقيل لي أدرك وليي عليا بتونس ، فأتيت مبادرا إليك ، فلما صليت الجمعة نظرت إليه فلم أجده .