أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
149
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
تفصيل آخر في الخواطر اعلم أن الخواطر هي موازين يحفظ بها الولي بدايته ويخلص بمعرفتها نهايته . والخواطر أربعة : أولها الرباني وهو مصيب أبدا ؛ وبه تكون الفراسة للمؤمن الكامل والمكاشفة عند السالك الواجد ، وترد بثلاث تجليات : بالجلال والجمال والكمال ؛ فإذا ورد بالجلال يمحق ويفني ، وإذا ورد بالجمال يثبت ويبقي ، وإذا ورد بالكمال يصلح ويهدي . وللخواطر موارد أربعة : فالخاطر الرباني يرد على الروح ، والملكي على العقل ، والنفساني على القلب ، والشيطاني على الطبع . واعلم أن الخاطر الأول أبدا لا يكذب . والثاني أبدا لا يصدق . والثالث أبدا لا يغش . والرابع أبدا لا ينصح ، وأكثر ما يرد الخاطر الرباني إذا خرج من خلوة وانفصل عن غيبة أو فكر في حقيقة ، وهو المفيد للولي حال الكمال ويهبه الاستقامة والاعتدال ، ويكون خارقا للعادة في عالم الغيب والشهادة ، والخاطر الملكي يرد واعظا وآمرا وناهيا وناصحا ؛ والخاطر النفساني يرد بالكبر والغضب والعجلة ، وثوراته عند أكل الحرام ، ومعاشرة اللئام ، ومجالسة أهل الجدال ، والشيطاني يرد عند الحيل إلى الطبع ، والفرار من قيود الشرع . وأقول الخاطر الرباني يبلغ منازل المقربين ، ويكاشف من اختصه الحق بعلوم الأولين والآخرين ؛ والملكي يحض على مقامات أهل اليمين ، ويشوق لمنازل الصالحين ، والنفساني يرغب في العاجل ، ويزهد في الآجل ، ويدعي في الرتب ، ويفرض العلة والسبب ؛ ويزدري بأحوال المتقين ، وينزل بالهوى إلى أسفل سافلين ، والشيطاني يعد بالفقر ، ويزين الأماني بالكفر . واعلم أن لكل خاطر مقدمة وبساطا ، فمقدمة الخاطر الرباني الإسلامي ، وبساطه الصمت ، وبساط الخاطر الملكي : العزلة ، ومقدمته الذكر ، وبساط الخاطر النفساني الأماني ، ومقدمته الجهل : وبساط الخاطر الشيطاني الكفر ، ومقدمته الكبر ، وكل خاطر يدعو إلى ما يناسبه . وبالجملة إنك تزن كل خاطر ورد عليك بميزان الشرع ، فإن كان مما أمرت به فبادر إليه ، وإن كان مما نهيت عنه فهو من الشيطان فاحذره ولا تفعله ، واللّه أعلم .