أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
146
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
فصل في الفرق بين الأحوال الربانية والطبيعية والشيطانية لا بد من معرفتها لمن أراد الاشتغال بالذكر لطروها عليه حالة الذكر وإلا وقع في الغلط . قال صاحب التدبيرات الإلهية « 1 » : المدعي السماع له حالات ثلاث : فالحالة الأولى نقتصر على شيء منها ، وهو أن الإنسان إذا كان صاحب صدق ، فإذا ورد عليه شيء أو ألقى إليه شيء فتشتغل الروح معه ، وتنحدر الجوارح ، وينحرف الطبع ، ويتغير المزاج ، فإن الجسم اشتغل عنه حافظه بما يلقى إليه ، فإذا انصرف عنه النور الملكي سرى عنه وقد عرق جبينه واحمر وجهه وقام كأنه نشط من عقال ، وهي المحادثة ، ولأولياء اللّه في هذا مشرب شهي ، ومتى اشتد الحال وغاب عن الوجود الحسي ، فإن حصل له في تلك الغيبة علم يعقله هناك ويعقله إذا رجع إلى حسه ، ويعبر عنه على قدر ما أعطاه اللّه تعالى من العبارة ، فذلك هو الحال الإلهي ، ويملأ القلب عند الإفاقة سرور ، وربما غزته إبرة فذلك حال صحيح . والحالة الثانية إن غلب ثم رد ولم يجد شيئا إلا أنه أخذ عنه بقبضة قبض عليه لم تتم له فائدة ، ولكن غاب عن حسه ؛ فهذا حال من المزاج لما حمي القلب بالذكر أو بالتخيل صعد منه البخار من التحريف الكثير إلى الدماغ ، فحجب العقل ، ومنع الروح الحيواني من السريان ، ورمى بصاحبه كالمصروع فهذا حال صحيح ، ولكن من المزاج الطبيعي ليس له فائدة ، ولهذا إذا سألته يقول لك رأيت كأني كسيت برنسا أسود أو سحابة مرت على عيني فعميت ، وهو ذلك البخار الذي ذكرناه . وأما الحالة الثالثة الكذاب هو الذي يعقل أهل مجلسه في السماع أو في حال خلوته أيضا فهذا صاحب وسوسة وحديث نفس ، قد سخر به الشيطان ؛ فكل ما يلقى إليه يتخيل أنها علوم وهي سموم ، فلا يعول على كل ما يخاطب به في هذه الحالة ولو صادف الصحة فيها . قال السادة الفقهاء : من صلى جاهلا بكيفية الوضوء والصلاة لا تصح صلاته وإن صادف الصحة ، فكما أن هذه المسألة أصل عظيم عند السادة العلماء فكذلك هذه عند السادة الصوفية نفعنا اللّه بهم ، فلا يعول على ما يخاطب به هذا الجاهل بطريق الحق ، فإنه لا يحسن أن يفرق بين الحق والباطل ، فكيف يعول على قوله ، فإن هذه حالة شيطانية وإنه ليس في قوة الشيطان أن يغيبك عن حسك ثم
--> ( 1 ) الشيخ الأكبر محيي الدين محمد بن علي بن عربي الحاتمي رحمه اللّه تعالى .