أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

139

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

فصل في الصحبة وآدابها اعلم أن للصحبة ثلاث فوائد : الأولى أن صحبة أهل الخير حصن للمريد من الانقلاب والعود إلى البطالة ، وإبعاد للنفس من التشوف والتشوق لها ، فإن البعد عن المعاصي يثقل فعلها في النفس ، والقرب من الطاعات يهون أمرها على النفس كما هو معلوم . الثانية أن علم القلوب لا يصاد إلا بالصحبة ، فإن من تحقق بحالة لم يخل حاضروها منها والطبع يسرق من الطبع من حيث لا يعلم . و « المرء على دين خليله » « 1 » و « المؤمن مرآة أخيه » « 2 » وما كان من المرئيات انطبع في المرآة المقابلة لها فافهم ، ولذلك كان معول الشاذلية على الصحبة بأهل الصلاح . واعلم أن الداعي للصحبة بين اثنين وجود الجنسية والنسبة بينهما ، فلا يصحب شخص شخصا إلا لوجود نسبة بينهما : أي حالة موجودة في كل واحد منهما ، فإنك تجد أهل الشر مثلا يميل بعضهم إلى بعض ، وكذلك غيره من الحيوان يميل كل نوع إلى بعضه أكثر من ميله إلى النوع الآخر ، وكميل ملة إلى بعضها ، وكميل أهل الطاعة إلى بعضهم ، وكذلك أهل المعصية ، وكميل أهل الشريعة إلى بعض ، وكذلك أهل الطريقة وأهل الحقيقة ، وكميل كل أهل علم إلى بعض ، وكذلك أهل كل حال ، وأهل كل مقام ، وكميل أهل كل خرقة إلى بعض ، ويؤيد ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم « الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » « 3 » فإذا علمت أن الموجب للصحبة وجود الجنسية ، فتفقد نفسك عند الميل إلى صحبة شخص وما الحالة التي فيه من أجلها أحببته ، وزن ذلك بميزان الشرع ، فإذا رأيت أحواله مسددة خصوصا الحالة التي من أجلها ملت إليه فارجع إلى نفسك باللوم ، فإن تلك الحالة القبيحة مركوزة في نفسك وفر منه فرارك من الأسد ، فإنكما إن اصطحبتما زدتما ظلمة كما قيل : وقاطع لمن واصلت أيام غفلة * فما واصل العذال إلا مقاطع

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب البر والصلة ، حديث رقم ( 7319 ) [ ج 4 ص 188 ] ورواه أحمد في المسند عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 8015 ) [ ج 2 ص 303 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه البخاري في الأدب المفرد ، باب المسلم مرآة أخيه ، حديث رقم ( 238 ) [ ج 1 ص 93 ] . ( 3 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب الأراح جنود مجنّدة ، حديث رقم ( 3158 ) [ ج 3 ص 1213 ] ورواه مسلم في صحيحه ، كتاب البر والصلة ، باب الأرواح جنود مجنّدة ، حديث رقم [ 159 - ( 2638 ) ] . ورواه غيرهما .