أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
138
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
ظهر له بطريق الكشف العلمي ، وإلى هذا المعنى أشار ابن عطاء اللّه « 1 » رضي اللّه عنه حيث قال : الكائن في الكون ولم تفتح له ميادين الغيوب ، مسجون بمحيطاته ، ومحصور في هيكل ذاته ا ه . ثم بعد هذا الكشف قد تزل قدم المريد بالوقوع والاشتغال ببعض ما رآه من العجائب فيوكل إليه أو يكلمه فيثبت فيه ، وقد يثبته الحق سبحانه بالتزام أصل طريقته ، من طلب مطلوب واحد فيتخطى كل ما يأتي إليه من صور الأكوان وحقائق الكشف مغضيا عنه متوجها لما هو فيه ، غير أنه لا يخرج من موقف حتى يبدو له منه ما هو مقصود باعتبار وقته ، وهو في كل ذلك خائف من مقته . وبالجملة فكل مورد له فيه مخاطبات وتنزلات ومداومات كلها خارجة عن مقصوده ، وإن كانت مصحوبة يكشف له ذلك منها عند فراغ مدده المودع فيها ، حتى إذا انتهى لطور القلب خوطبت عوالمه اللطيفة بالأشياء على سبيل الإلقاء بنوع من الإلهام ، وهو على أنواعه فافهم ، فإذا صارت حالة المريد إلى بساط المحادثة كان مطلوبه في تفرق وجوده لا غير ، لأن المقصود الأول الذي دخل لأجله لا يزال مشوقا له حتى يرى أن شغله بالأكوان هو الذي حجبه عن معرفة مكونه فيبينها عن قلبه بوجه لا يمكنه قبولها كما قيل : بين التذلل والتدلل نقطة * في فهمها يتحير النحرير هي نقطة الأكوان إن جاوزتها * كنت المراد وعندك الإكسير يعني المراد للحضرة الربانية ، وعندك الإكسير الذي تقلب به صباغ الحقائق إلى حقيقة ما عندك ، فإذا فني من رؤية العوالم وهو خلع نعل الكون لم ير في الكون غير المكون ، فإذا تمكن من مقام الفناء عاد عنده عدما لاستغراقه بالحقيقة وهي غاية الطريقة ، ثم إن شاهد الحقيقة يقضي له بالحق فيصير غرق الأنوار ، مطموس الآثار ، قد غلب سكره على صحوه ، وجمعه على فرقه ، وفناؤه على بقائه ، وغيبته على حضوره ، وأكمل منه عبد شرب فازداد صحوا وهو مقام النهاية ، ولم يبق إلا ما يهيئه اللّه له من أنواع الكرامات ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) السكندري في حكمه الكبرى المشهورة التي بلغ عددها مئتين وأربعة وستين حكمة ورقم هذه الحكمة هو ( 247 ) . ( انظر اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية شرحها الشيخ الدكتور عاصم الكيالي الحسيني الشاذلي الدرقاوي ، دار الكتب العلمية - بيروت ) .