أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

131

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

وقد انتهى ما يتعلق بطريق الشاذلية من كلامهم . ولنقل في بيان الطريق على العموم وتفصيل درجاتها الأربع : فصل اعلم أن مراتب الطريق أربع ، لا يضع السالك قدمه في ثاني مرتبة منها حتى يحكم الأولى ، ولا يدخل في واحدة حتى يعمل قبلها : فالأولى مرتبة التوبة ، والثانية مرتبة الاستقامة والثالثة مرتبة التهذيب ، والرابعة مرتبة التقريب ، وليس بعد ذلك إلا مواهب القريب المجيب . المرتبة الأولى : وهي مرتبة التوبة ، فالتوبة أصل كل مقام وحال ، وهي أول المقامات ، وهي بمثابة الأرض للبناء ، فمن لا أرض له لا بناء له ، ومن لا توبة له لا حال ولا مقام له ، وهي على ضربين : إنابة ، واستجابة . فالإنابة أن تخاف اللّه من أجل قدرته عليك ، والاستجابة هي أن تستحي من اللّه لأجل قربه منك . والتوبة في اللغة الرجوع عن الذنب ، وهي على قسمين : توبة عوام ، وتوبة خواص . فتوبة العوام على ثلاث مراتب : الأولى للكافرين ، توبتهم إلى الإيمان والإسلام ، لأن حق العبد أن يعرف نفسه بالعبودية ، ويعرف ربه بالربوبية ، وكل من غفل عن عبوديته للمولى ، وشغلته الدنيا عن العقبى يحصل له العرفان عن الشيطان . الثانية من توبة العوام : توبة الفاسقين ، أي الذين ارتكبوا الكبائر والمخالفات ، فتوبتهم بست معان : أولها الندم على ما مضى ، وهو الركن الأعظم الباعث على ما بعده . ثانيهما ترك الذنوب في الحال ، والعزم على أن لا يعود في الاستقبال . ثالثها رد المظالم إلى أهلها . رابعها إعادة الفرائض التي فاتت . والخامس إذابة النفس في الطاعة كما ذيبت في المعصية . والسادس البكاء في الأسحار ، في حضرة الملك الجبار من خشية الذنوب . والثالثة من توبة العوام : توبة عوام المؤمنين عن الصغائر التي صدرت بسهو وغفلة وجهل ونسيان ، كما قال اللّه تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [ النّساء : 17 ] وهي مقام عوام المؤمنين وخواص الفاسقين ، الذين كانوا في الصف الثالث من الأرواح .