أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
121
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
طريقته الجمع على اللّه ، وعدم التفرقة ؛ وكثير من كلام الشيخ يدل على ذلك إذا تأملته ، لكن هذا الكلام يحتاج إلى إيضاح وتأويل ، وهو كما قال سيدي زروق اللجأ إلى اللّه في المبادي ؛ والشكر له في المناهي ؛ والرضا عنه في الواردات ، والصبر له في المكاره ؛ والتسليم له في الأقدار ، وإيثار حقه على كل شيء وفي كل شيء . واعلم أن باب هذا الجمع استدامة الذكر مع الفكر : أي الاستحضار ، وذلك أن يستحضر الشخص في غالب أوقاته أنه بين يدي اللّه ؛ وأن اللّه تعالى مطلع ورقيب عليه ، وأنه خالق لحركاته وسكناته وأقواله وإرادته ، وما وقع عليه أو منه من خير أو شر ونفع أو ضر ، كل ذلك هو خلق اللّه وتقديره ، فإذا حصل له هذا الاستحضار أوجب له اللجأ إلى اللّه في المبادي إلى آخر ما ذكر سيدي زروق ، وأن يخشى اللّه تعالى ويرجوه دون غيره ، لأنه لا يرى النفع والضر إلا منه والمحبة للّه ، لأنه لا يرى الإحسان إلا منه ، والحياء من اللّه لرؤية قربه منه ، فيقدم حقه على كل شيء ، وأن لا يتعزز ولا يفرح بفعل محمود صدر منه من طاعة وغيرها ، ولا يزدري من وقع منه فعل مذموم لرؤيته أن ذلك خلق اللّه وتقديره ؛ فيكون بظاهره منفذا للأمور الشرعية ؛ وهو بباطنه شاكر لفضل اللّه الذي وفقه ، خائف من الابتلاء بالخذلان وسلب التوفيق ، ولا بد لصاحب هذا الاستحضار من حفظ عقيدة معتمدة ، ليعرف ما يجب للّه سبحانه وما يستحيل وما يجوز ، ليسلم استحضاره من التصورات الفاسدة ، ولذلك كانت طريق الشاذلية مبناها على طلب العلم وكثرة الذكر مع الحضور ، وكانت بهذا الاستحضار الذي هو الجمع أسهل الطرق وأقربها وليس فيها كثير مجاهدة ، لأن ما في النفس من النور الأصلي يتعاضد ويقوى بنور العلم لمن يشتغل به أو بنور الذكر ؛ حتى يندفع به ما فيها من الرذائل ، ويزداد إقبالها على حضرة القدس وإدبارها من الدناءة حتى تنمحق عنها بالكلية ويحرق الذكر من القلب ما سوى المذكور لا سيما إن صحح مقصده في ابتداء أمره ، وهو أن يكون قصده التقرب إلى اللّه والتعبد محبة له ، من غير التفات إلى غير ذلك ، وليكن مبتهلا إلى اللّه تعالى في تحصيل مقصده متوسلا إليه بالأدعية التي تنوه بذكر ذلك كأحزاب الشيخ رضي اللّه عنه ، فإذا عمل على هذا الأسلوب فتح له في أقرب مدة إن شاء اللّه تعالى . فصل فيما جاء في وصف الشاذلية على العموم نثرا ونظما ، وما خصوا به قال سيدي داود باخلا في شرحه لحزب البحر : فليتأمل المنصف أحوال الشاذلية ، وسداد طريقهم ، وقوة يقينهم ، وكثرة أنوارهم ، وفتحهم ، وكشفهم ، وذكاء قلوبهم مع غرق كثير منهم في الأسباب ، وتلبسهم ظاهرا بأحوال العوام ، فتراهم أبدا