أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

113

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

قال رحمه اللّه : وينبغي لك مطالبتها كل يوم مرة أو مرتين وإلا في كل جمعة حتى تنطبع معانيها في النفس ويقع تصرفك على مقتضاها ، فإن فيها غنية عن كثير من الكتب والوصايا ، فقد قيل : إنما حرموا الوصول من تضييع الأصول ، ومن تأمل ما قلناه عرف ذلك ، ثم لا يزال يتعهدها قصدا للتذكر بها ، وباللّه التوفيق . وأما الرسالة التي سماها الأمهات فقال رحمه اللّه : فصل في أمهات ما يبني عليه المريد في هذه الأزمنة وغيرها وذلك أمور أولها : التزام التقوى بترك المحرمات ، وحفظ الواجبات من غير إخلال ولا إفراط ، ويحرص على تحقيق ما يحتاج إليه منها ، وهو النوع الذي يعتريه كثيرا كالغيبة عموما والحسد خصوصا أو نحو ذلك ، ويكون حرصه على الصدق مع اللّه فيها بأن يهتم بما لا يعيبه الناس أكثر مما يعيبونه ، لأن هذا لا يحمله على تركه إلا خوف اللّه ، بخلاف الآخر فإن فيه شائبة وإن كان من حق اللّه ومساويا للآخر في حكمه ، فالنفس تأباه لا يلحق من أجله فيكون معانا على تركه ، إذ لا يصح له فعله بحال فافهم . الثاني : العمل بالأسباب التي تكمل بها التقوى وتستدام كترك الشبه الواضحات التي لا تدع إليها ضرورة ملحة ، فإنه لا يبلغ الرجل درجة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر . ومن تعمق في الأمور قلّ أن يثبت له قدم ، لكن ما وضح كونه شبهة ترك ، وما خفي أمره فعند الاستغناء عنه « ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه » وكانوا يتركون بينهم وبين الحرام وقاية من الحلال ، ومن عزّ عليه دينه سهل عليه كل شيء . ويرحم اللّه الشيخ إسحاق الجبنياني حيث يقول : اكتسب بالعلم ، وكل بالورع . ثم من أقبح الورع ما أدى لمحرم ، ككسر قلب مسكين لغير أمر بيّن ، أو التنطع في عبادة بأمر يؤدي إلى المقت والغيبة ، والتوقف في عادة على حد لا تسلم معه المروءة ، وهذا أصل كبير يحتاج إلى علم وتنوير . الثالث : التيقظ لموارد الأشياء ومصادرها بحيث يكون قلبه عند جوارحه فكل جارحة تتحرك منه يقابلها بحكم حركتها وقصدها ، فإن اللّه يبغض الرجل الأمقت ، المشاء من غير أرب ، الضحاك من غير عجب ، الذي يكون مع كل قوم بما هو فيه .