أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
108
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
فيشتغل بسياسة معرفته ، إذا صحّ له ذلك ولم يبق عليه منه شيء رقي إلى المنزل الثالث وهو الروح ، فيشتغل بسياسته ومعرفته ، فإذا تمت له المعرفة به هبّت عليه أنوار اليقين شيئا فشيئا ، حتى إذا أنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه بروزا لا يعقل فيه شيئا بما تقدم له من الأنوار المنازل الثلاثة ، فهناك يهم ما شاء اللّه ، ثم يمده اللّه بنور العقل الأصلي في أنوار اليقين ، فيشهد موجودا لا حد له ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد ، وتضمحل جميع الكائنات فيه ، فتارة يشهدها فيه كما يشهد الينابيب في الهواء بواسطة نور الشمس ، فإذا انحرف نور الشمس من الكوة لا يشهد للينابيب أثرا ، فالشمس التي يبصر بها هو العقل الضروري بعد المادة بنور اليقين ، فإذا اضمحل هذا النور ذهبت الكائنات كلها وبقي هذا الموجود ، فتارة يبقى وتارة يفنى حتى إذا أريد به الكمال نودي منه نداء خفيا لا صوت له فيمد بالفهم عنه ، إلا أن الذي يشهده غير اللّه ليس من اللّه في شيء ، فهناك ينتبه من سكرته ، فيقول : أي رب أغثني ، أي رب أغثني فإنني هالك ، فيعلم يقينا أن هذا البحر لا ينجيه منه إلا اللّه ، فحينئذ يقال له إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أول ما خلق اللّه العقل » « 1 » وفي خبر آخر « قال له أقبل فأقبل » « 2 » الحديث ، فأعطى هذا العبد الذل والانقياد لنور هذا الموجود ، إذ لا يقدر على حده وغايته ، فعجز عن معرفته ، فقيل له هيهات لا تعرف بغيره ، فأهداه اللّه جلّ وعلا بنور أسمائه فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء اللّه نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ [ الأنعام : 83 ] فأمده اللّه بنور الروح الرباني ، فعرف به هذا الموجود ؛ فرقي إلى ميدان الروح الرباني ، فذهب جميع ما تحلى به هذا العبد وتخلى عنه بالضرورة ، وبقي كل شيء موجودا ثم أحياه اللّه بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني . فلما استنشق من مبادئ صفته كاد يقول هو اللّه ، فلحقته العناية الأزلية فنادته : ألا إن هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحد أن يصفه ولا أن يعبر عنه بشيء من صفاته لغير أهله لكن بنور غيره يعرفه ، فأمده اللّه بنور سر الروح ، فإذا هو قاعد على باب ميدان السر ، فرفع همته ليعرف هذا الموجود الذي هو السر ، فعمي عن إدراكه فتلاشت جميع أوصافه كأنه ليس بشيء ، ثم أمده اللّه بنور ذاته ما حياه به حياة باقية لا
--> ( 1 ) أورده الديلمي في الفردوس ، عن عائشة ( ج 1 ص 13 ) وأورده العجلوني ي كشف الخفاء ، حديث رقم ( 822 ) [ ج 1 ص 236 ] . ( 2 ) رواه الطبراني في المعجم الكبير عن أبي أمامة حديث رقم ( 8086 ) [ ج 8 ص 283 ] ورواه غيره .