أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

107

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

فصل في العموم والخصوص قال رحمه اللّه : اعلم أن العلوم التي وقع الثناء على أربابها وإن جلت فهي ظلمة في علوم ذوي التحقيق ، وهم الذين غرقوا في تيار بحر الذات وغموض الصفات فكانوا هناك بلا هم ، وهم الخاصة العليا ، وهم الذين شاركوا الأنبياء والرسل في مراتبهم وإن جلّت مراتب الأنبياء والرسل ، فلهم منها نصيب ، إذ ما من نبي ولا رسول إلا وله من هذه الأمة وارث ، وكل وارث على قدر إرثه من مورثه . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « العلماء ورثة الأنبياء » ولا يكون وارث إلا وله نصيب معلوم من مورثه يقوم مقامه ، على سبيل إرث العلم والحكمة لا على سبيل التحقق بالمقام والحال ، فإن مقامات الأنبياء قد جلّت أن يلمح حقائقها غيرهم ، وكل وارث في المنزلة بقدر مورثه ، إذ يقول اللّه جلّ وعلا : وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ [ الإسراء : 55 ] كذلك فضل بعض الأولياء على بعض ، إذ الأنبياء بعين الحق ، وكل عين مستمد منها على قدرها ، وكل ولي له مادة مخصوصة ، فانقسم الأولياء على قسمين : قسم منهم هم أبدال الأنبياء ، وقسم منهم أبدال الرسل . فأبدال الأنبياء الصالحون ، وأبدال الرسل الصديقون ، فبين الصالحين والصديقين في التفضيل كما بين الأنبياء والمرسلين ، فمنهم ومنهم ، غير أن منهم طائفة انفردوا بالمادة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يشهدونها عين يقين ، لكنهم قليلون ، وهم في التحقيق كثيرون ، وكل نبي وولي مادته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فمن الأولياء من يشهد عينه ، ومنهم من يخفى عليه عينه ومادته ، فيفنى فيما يرد عليه ولا يشتغل بطلب مادته ، بل هو مستغرق بحاله لا يرى غير وقته ، ومنهم الذين مدوا بالنور الإلهي فنظروا به حتى عرفوا أمرهم على التحقيق ، وذلك كرامة لهم لا ينكرها إلا من أنكر كرامات الأولياء ، فنعوذ باللّه من النكران بعد العرفان ، وهم الذين أخذوا طريقا لم يأخذه غيرهم ، إذ الطريق طريقان : طريق خاصة وطريق عامة ، فأعني بالخاصة المحبوبين الذين هم أبدال الرسل ، وأعني بالعامة المحبين الذين هم أبدال الأنبياء ، فعلى جميعهم السلام . فأما طريق الخاصة ، فهو طريق علوي تضمحل العقول في أقل القليل من شرحه ، ولكن عليك بمعرفة طريق العامة ، وهي طريق الترقي من منزل إلى منزل إلى أن ينتهي إلى منزل ، وهو مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] فأول طريق يطؤه المحب الترقي منه إلى العلا فهو النفس ، فيشتغل بأسبابها ورياضتها إلى أن ينتهي إلى معرفتها ، فإذا عرفها وتحقق بها فهناك تشرق عليه أنوار المنزل الثاني وهو القلب