حسن بن موسى القادري

92

شرح حكم الشيخ الأكبر

( يعاملك به الخلق ) ؛ لأن معاملة الخلق هي معاملة الحق في الحقيقة ، أو نقول : هو عطف التغاير ؛ لأن معاملة الحق غير معاملة الخلق ، فمعاملة الحق ما ليس للعبد نسبة كالصحة والمرض والفقر والغناء والفناء والبقاء وغير ذلك ، ومعاملة الخلق ما لهم نسبة في ذلك كأن يعطوه أو يضربوه أو يكرموه ونحوها مما لهم نسبة الاكتساب ، وقال بعض : كل ما تعمل مع غيرك من سوء أو حسن ، فإمّا يجري ذلك عليك وتراه ، أو يجري على ولدك ويراه . ونظموا فارسيا فيه وهو هذا : انجه توميكني با دكران * يا بر سر خودت أيد يا سران فالكمال أن تعطي الربوبية ما لها من كمال النسبة بكمال الشكر حيث لا موجد سواه ، وأن تعطي الخلق ما لهم من مجاز النسبة بمجاز الشكر ، فتكون أنت حقا قائما بحق الشريعة والحقيقة ، وعامر الدارين مع أنه لا بد من إثبات الأسباب لحكمته ، ولكن لا يجوز الاعتماد عليها برؤيتها وحدها بدون موجدها لأحديته ، ولما كان كلّ فرد من أفراد الخلق صورة من صور شؤونه وأقله إنه خلقه وفي الحقيقة عينه لا غيره ، وإنما التميز بالإطلاق والتقييد ينبغي المعاملة معه معاملة حسنة لا سيئة سواء كان إنسانا أو غيره ، والإنسان مسلما أو غيره ذي نسب أو لا شريفا أو خسيسا ؛ لأن الإسلام والكفر وغيرهما مما مرّ من العوارض . ألا ترى أن بني آدم طاهر بلسان الشريعة وما فرّقوا في هذا بين المسلم ، والكافر ، فإن الكافر من حيث ذاته طاهر ونجاسة المشركين كما في الآية الكريمة لوصف عارض قام بهم ، فالمراد أن المشركين نجس اعتقادهم لا ذاتهم ، أو المراد اجتنابهم كالنجس فالحكم عليهم بالنجس مجازا لا حقيقة ، وذكر المسلم وحده في حديث : « لا تنجسوا موتاكم ، فإن المسلم لا ينجس حيا ، ولا ميتا « 1 » » للغالب ، ولهذا لهذه الطائف العالية شفقة تامة على جميع خلق اللّه حتى حكي أن الشيخ الأكبر قدّس روحه ونوّر ضريحه لمّا توفى في رحمة اللّه تعالى تخاصم المسلمون واليهود والنصارى عليه وادّعى كل منهم أنه شيخهم

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ( 1 / 542 ) ، البيهقي في السنن الكبرى ( 1 / 306 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 2 / 469 ) .