حسن بن موسى القادري
72
شرح حكم الشيخ الأكبر
بالتوجه التام إلى الحق سبحانه وتعالى ؛ لأنه إنما تتقوّى جهة الحقيّة على الخلقية ، والبقاء « 1 » على الفناء به على حسبه حتى إذا كمل التوجه اضمحلت الخلقيّة بقهر الحقيّة عليها ، والتوجه إنما يحصل بالمحبّة الذاتية المستورة الموجودة فيه بالقوة ، وظهور تلك المحبة ليس إلا بالاجتناب عما يناقضها من المخالفات والمنازعات والتوجه التام ، تفريغ القلب عما سوى اللّه تعالى ، والتجريد عن كلّ وصف بشري ، وأن لا يتقيد بشيء من الوجود والعدم والإظهار والإخفاء وغير ذلك ، وإذا لم تفن أنت أيها السالك الطالب للتوحيد الموجب للنجاة الأبدية ما هو منسوب إليك بأن ترى الأفعال والحركات والسكنات لك وصادرة منك ، وأنت فاعلها تبقى في الشرك الخفي الموجب للحرمان من الدخول في حضرة القدس ؛ لأن كلك شرك خفي . كما قال الشيخ الولي الكامل رسلان قدّس اللّه روحه في أول رسالته « كلك شرك خفي » : والدليل على هذا قوله تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ يوسف : 106 ] ، فالمراد الشرك الخفي ، وإلا فلا يجتمع مع الإيمان الشرك الجلي ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا « 2 » » ، ومعنى كون الشرك الخفي هو أنه يشرك باللّه من وجه لا يشعر به وهو في التوحيد ، وخفاء هذا الشرك إنما هو عن العوام ، وأمّا الخواص فليس بخفي عندهم ؛ لأنهم لا يرون غير اللّه ، فمتى أثبتوا وجود الغير للّه تعالى فيحكمون بكفرهم ، فهم حقا مشركون شركا جليا وحقيقة لا خفيا ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . 4 - كل منحة وافقت هواك فهي : محنة ، وكل محنة خالفت هواك في منحة . ثم أيد الحكم المذكور فقال : ( كل منحة وافقت هواك فهي محنة ) : منحه كمنعه
--> ( 1 ) تقول الست عجم : إن البقاء لا يصدق إلا على الكثرة كما ذكرنا فمن فنى من المتكثرين أطلق عليه الإطلاق ، وكان بالنسبة إلى الكثرة فناء وبالنسبة إلى الإطلاق بقاء إذ الإطلاق باق والكثرة مشهودة الفناء ، ولا يعلم أن عين فنائها النسبي هو عين البقاء الحقيقي فكأنه لما شهد فناء واحد من الكثرة وجد بقاءه في ذاته المطلقة إذ العارف كلما يشهد فناء ظاهرا يدركه بقاء في غيب أحديته الخافية . وانظر : شرح المشاهد القدسية ( بتحقيقنا ) . ( 2 ) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء ( 3 / 114 ) بنحوه ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 4 / 172 ) .