حسن بن موسى القادري
68
شرح حكم الشيخ الأكبر
2 - أخذ كل موجود حظه مما قابله : بحسب كل ميسر لما خلق له . ( أخذ كل موجود حظة مما قابله ) ، فكل موجود لا يأخذ حظه ، وحصته مما قابله إلا بقدر ما يليق به ، وتطلبه حقيقته من الاستعداد والقابلية ، وهذا مبني على أن الوجودات ظلال ، فكل شيء ظله بقدر مقابله للشمس . وقوله : ( بحسب « كل ميسر لما خلق له « 1 » » ) إمّا متعلق بالكائن صفة للحظ أي : حظه الكائن بحسب أن الكل ميسر لما خلق في حضرة العلّمية له ؛ إذ لا يأتي من كلّ شيء إلا ما خلق له بحسب الاستعداد ، ولا بد من حصول ما خلق له ، ولهذا قال الشيخ في الفصوص : ( فما في أحد من اللّه شيء ) أي : بل اللّه يظهر ما كان مستورا فيه وموجودا بالقوة ، ( ولا في أحد من سوى نفسه شيء ) أي : ما يظهر فيه إلا ما كان مستورا فيه فلا يفيض عليه شيئا من سوى نفسه ، لكن باعتبار الفيض المقدس ، وأمّا باعتبار الفيض .
--> - وبيانه أن العارف وليّا كان أو نبيا أو رسولا أو ملكا في كل مقام أو منزل أو مرتبة أو شيء من الأشياء أقيم فيه يحصل له من العلم بأسماء اللّه تعالى وصفاته ومن القيام بآدابه أو وظائفه ما يناسب المقام الذي فوقه الذي هو محتجب عنه فيستعد بذلك لهذا الذي هو أعلى وأرفع وأكمل وإن كان الذي هو فيه في الفضيلة بحيث المنتهي فيقول رب زدني علما فإذا زاد علمه وارتقي لما هو أعلى استعد لعلم آخر فيقول رب زدني علما وهكذا إلى ما لا نهاية له دنيا وأخرى فأمر التجلي والعلم لا يتناهى من طرف الحق لعدم تناهي كمالاته وعلومه حقيقة والطلب لا ينتهي من جانب العبد لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وقد كان سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم أعلم الخلق باللّه ولم يستغن مع ذلك عن زيادة اللّه فكان يطلب من ربه الزيادة والترقي وربه تعالى يزيده في كل لحظة من العلم به ما يزيد رفعة وجلالة بسببه وقد خاطبه اللّه تعالى بقو - له : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] وقوله : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [ العلق : 19 ] فأمره بطلب الزيادة من العلم وبالاقتراب أي : زيادة القرب من جنابه العلي ، وقد ذكر العارفون أنه كان يترقى في الزمن الفرد إلى مقامات لا يبلغها الإحصاء ولا يحصرها العد وإن مقاماته غير محصورة ولا مدركة لنا لسعة إطلاقه صلى اللّه عليه وسلم وإفاضة الحق عليه في كل وقت ما يعجز عن حمله جميع الأنبياء والمرسلين وسائر الخلائق أجمعين ، ومن اطلع على حقيقته صلى اللّه عليه وسلم وعلم ما يحصل لها من الترقيات في كل لحظة من اللحظات وحالة من الحالات اعترف بعدم تناهي فضله على الإطلاق كما يعترف باستحالة تناهي كمالات الملك الخلاق . وانظر : جلاء القلوب للشيخ جعفر الكتاني ( بتحقيقنا ) . ( 1 ) رواه البخاري ( 4 / 1891 ) ، ومسلم ( 4 / 2040 ) .