حسن بن موسى القادري
53
شرح حكم الشيخ الأكبر
لأن العام مقيد والوجود الحق مطلق ، وأمّا في الحقيقة فهو عينه لا فرق إلا بالإطلاق والتقييد ؛ لأنه امتاز بالقيد عن المطلق ، فإذا ارتفع القيد يرجع إلى إطلاقه وهو المعنى بقولهم : إن وجود العالم هو وجود اللّه تعالى ، فافهم الإشارات ولا تعتمد على ظاهر العبارات . وكما أن بوجوده عمّ وجود الموجودات ، فلا موجود إلا وجوده من وجوده وقائم به ، وهو تعالى سار بهويته في جميع الموجودات ، فالكل كالطاقات يظهر فيها الوجود الحق من حيث الأسماء والصفات فبظهوره فيها تستحق الكمالات السرمدانية والإعطاءات الربانية . كما أشار الشيخ قدس سره بقوله : ( وخصّ بظهوره نسخة المحدثات بأنواع الكرم والجود خصه بالشيء ) خصا وخصوصا أي : فضّله بذلك ، و ( النسخة ) المنقول منه ، و ( المحدثات ) : هي الممكنات ، فالحق تعالى خص بظهوره في نسخة المحدثات إياها وفضّلها بالودّ ( بأنواع الكرم والجود ) أي : العطاء بأن تفضّل عليهم بأنواع الإعطاءات التي هي مظاهرها ما تتجلى فيه وبه من الفوائد والعوائد وغيرها مما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين في هذه الدار ، وفي تلك الدار وغير مما لا يعمله إلا اللّه ، فكل ممكن موجود له نعمتان أنعمّ اللّه عليه بالإيجاد حيث أوجده من العدم ، فإن الإيجاد من اللّه تعالى نعمة لغنائه عن كلّ شيء ، واحتياج كلّ شيء إلى الوجود حتى لا يكون نفيا محضا وعدما صرفا ، ثم بعد الإيجاد أنعمه بالإمداد حيث يدفع عنه المضرات ، ويجلب له المنافع عناية منه ورحمة وتفضلا وإحسانا ، ويحتمل أن يكون معنى كلام الشيخ قدس سره خص بظهوره نسخة المحدثات حيث ظهر فيها بأنواع الكرم والجود . فتكون ( الباء ) في ( بظهوره ) ، وفي ( بأنواع ) للصلاة ، ويكون ( بظهور ) متعلقا ( بخص ) ، و ( بأنواع ) متعلقا ( بالظهور ) ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . ( وأشهد أن سيدنا محمدا صلى اللّه عليه وسلم ترجمان لسان الحق بين الحدث والقدم ) أي : أقرّ وأعترف وأعلم أن سيدنا ورئيسنا ؛ لأنه من السيادة بمعنى الرئاسة ( محمدا ) عطف بيان أو بدل صلى اللّه عليه وسلم أي : أفاض رحمته بالتجليات الذاتية على محمد القابل للترقي في جميع مراتب الكمال . ( وسلم ) أي : عليه بالاسم السلام إليه حقائق الكمال ، ويعطيه السلامة عن سطوات