حسن بن موسى القادري

485

شرح حكم الشيخ الأكبر

39 - والقريب في النوافل . ورأيت ( القريب ) إلى الحق تعالى ( في النوافل ) كما ورد في الحديث القدسي : « لا يزال العبد يقترب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعه وبصرا ويدا ولسانا ورجلا بي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي ينطق ، وبي يمشي « 1 » » ، والمراد القرب الصفاتي ؛ لأن القرب الذاتي في الفرائض ، والقرب الصفاتي هو أن يكون الحق باطنا والعبد ظاهرا ، والعبد فاعلا ومدركا ، والحق ألة له كما في الحديث المذكور ، فإن العبد هو الذي يسمع لكن بسمع اللّه ، وهو الذي يبصر لكن ببصر اللّه ، وهكذا في البواقي مما ذكر في الحديث ، والقرب الذاتي الذي في الفرائض ، هو أن يكون الحق تعالى ظاهرا أو العبد باطنا ، ويكون هو تعالى فاعلا ومدركا والعبد ألة كما في الحديث صلى اللّه عليه وسلم : « إن الحق لينطق على لسان عمر « 2 » » . وقال أيضا : إن اللّه تعالى قال على لسان نبيه أو عبده : « سمع اللّه لمن حمد « 3 » » . وإلى هذين المقامين أشار الشيخ قدّس سرّه في أول فص حكمة إحسانية في كلمة لقمانية وأنشد : وإن شاء الإله يريد رزقا * لنا فهو الغذاء كما يشاء إذا شاء الإله يريد رزقا * له فالكون أجمعه غذاء فالبيت إشارة إلى قرب الفرائض ، والثاني إشارة إلى قرب النوافل ، ففي قرب الفرائض يكون الكون كله غذاء للحق ؛ لأنه لا يظهر من حيث الأسماء والصفات في الأعيان إلا بالأعيان كما أن ذات المتغدي لا ينمو إلا بالغذاء ، فالظهور بمترلة النماء وفي قرب النوافل ، فالحق غذاء ؛ لأنه تعالى أوجد الموجودات ، وليس إيجاده إياها إلا الاختفاء بصورتها ، فهو تعالى مختفي بصورة الموجودات كاختفاء الغذاء بصورة المتغدي ، وفوق هذين القربين هو أن يجمع بينهما ، ويسمونه مقام الكمال ، وجمع الجمع ، ومرتبة قاب قوسين .

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) ذكره الكلاباذي في التعرف لمذهب التصوف ( 1 / 24 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 1 / 244 ) ، ومسلم ( 1 / 293 ) ، وأبو داود ( 1 / 253 ) ، ولترمذي ( 2 / 55 ) .