حسن بن موسى القادري

475

شرح حكم الشيخ الأكبر

وقال بعض الأكابر : من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمه والهدى عند أهل الحق أن يهتدي الإنسان إلى الخيرة المحمودة الحاصلة من شهود التجليات وتتابع بوارق أنوار الذات . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « رب زدني تحيرا « 1 » » أي : هداية وعلما « 2 » .

--> ( 1 ) لم أقف عليه . ( 2 ) قال الشيخ الشعراني : الحيرة في اللّه من كمال المعرفة به ، وهي سارية في العالم النّوريّ والنّاريّ والترابيّ ، لأن العالم ما ظهر إلا على ما هو عليه من العلم الإلهيّ ، وما هو في العلم الإلهيّ لا يتبدّل ، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الروم : 30 ] الآية . فما فطر العالم إلا على الحيرة ، وذلك لأن المرتبة الإلهية تنفي بذاتها التقييد عنها ، والقوابل تنفي الإطلاق عنها ، ولا تشهد إلا صورتها من التقييد . فهذا هو سبب شدة الحيرة في الوجود ، ولا أحد أشدّ حيرة في اللّه من العلماء به ، ولهذا ورد أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « زدني اللّهمّ فيك تحيّرا » ، ومع ذلك فأعلى ما يصل إليه العلماء باللّه تعالى من طريق نظرهم مبتدأ البهائم ؛ لأنها كغيرها مفطورة على الحيرة في اللّه عز وجلّ ، والإنسان يريد أن يخرج بما أعطاه اللّه تعالى من العقل والرؤية وإمعان النظر عن الحيرة التي فطر عليها ، فلا يصحّ له ذلك . وعلى هذا الذي قررناه الإشارة بقوله تعالى في حقّ قوم : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [ الفرقان : 44 ] . فإن التشبيه بالأنعام إنما هو في الحيرة لا في المحار فيه ، فليس ذلك نقصا في الأنعام ، وقوله : بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا : أي طريقا لأنهم زادوا على ضلال البهائم وحيرتهم في اللّه ، والحيرة عمى بلا شكّ . وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى [ الإسراء : 72 ] ، أعني جاهلا بالذات ، وَأَضَلُّ سَبِيلًا ، كما هو في الدنيا . ولذلك كان العارف المحقق عمرو بن عثمان المكي يقول في صفة العارفين : وكما هم اليوم يكونون غدا ، فعلم أن من طلب معرفة الذات من طريق الفكر والنظر كان مآله إلى الحيرة ، كما أن من طلب الواحد في عينه لم يحصل إلا على الحيرة ، فإنه لا يقدر على الانفكاك من الجمع والكثرة في الطالب والمطلوب ، وكيف يقدر على ذلك ، وهو يحكم على نفسه بأنه طالب ، وعلى نفسه بأنه مطلوب ، ومقام الواحد يتعالى أن يحلّ في شيء ، أو يحلّ فيه شيء ؛ لأن الحقائق لا تتغير عن ذاتها ؛ إذ لو تغيرت لتغير الواحد في نفسه ، وتغيير الحق في نفسه وتغيير الحقائق محال . واعلم أن حيرة أهل الكشف والشهود أعظم من حيرة أصحاب النظر في الأدلة ؛ لاختلاف الصورة عليهم عند الشهود . فإن أصحاب النظر والفكر ما برحوا بأفكارهم في الأكوان ، فلهم أن يحاروا ويعجزوا ، وهؤلاء ارتفعوا -