حسن بن موسى القادري
423
شرح حكم الشيخ الأكبر
وهؤلاء هم المخلصون عن القيودات وفرشوا الأسماء والصفات ، وخرجوا عن جميع الحظوظات ، وأصل المحبة الذاتية هي سبب الظهور ، كما في الحديث المذكور وهي في رتبة الإطلاق عين الذات ، والمحبة المتعلقة بإظهار الكمالات مترتبة على التي هي أصل الأسماء والصفات واختلفوا في حقيقتها . قال بعض من الحكماء : هي ابتهاج بتصور حضور ذات ماهية كمال المدرك ، وقال آخر : إنها عماء الحب عن عيوب المحبوب ، وقال آخر من الأطباء : إنها عرض وسواس يجلبه الإنسان باستحسان صورة جميلة ، وقال آخر من أهل الذوق : إنه صفة سرمدية وعناية أزلية ولولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ، وقال آخر منهم : إنها سر أودع في قلوب المخلصين الموقنين ، وقال آخر منهم : إنها بحسب متعلقاتها ومن هي قائمة به تختلف فترسم برسوم مختلفة ، فالمحبة الإلهية حقيقة من الحقائق الإلهية توجب اصطفاء ما تعلقت به على غيره وإيصاله إلى كمالاته ، والمحبّة الكونية المتعلقة بحال من الحالات وكمال من الكمالات ما هو مبدأ طلب لما هو كمال بالنسبة إليه ، وهذه هي السارية في الموجودات كلها والمتعلقة بغير ما ذكرناه ، هي معنى روحاني يفني المحب في المحبوب ابتهاجا بمشاهدة الجمال ، وانجذابا إلى مطالعة الكمال ، وقسموها بنوع من الاعتبارات إلى : ذاتية وصفاتية وأسمائية وأفعالية وأثارية ، فالأول إدراك الذات نفسها بنفسها ، والثاني والثالث طلب الأسماء والصفات ظهورها في مجاليها وظهور مجاليها ، أو الثاني طلب الذات الظهور بالصفات ، والثالث ما مرّ أو الثاني ناشئ عن الثالث فافهم ، والرابع ما به ظهور الشؤون ، والخامس هو الذي يظهر في الأكوان هذا بالنسبة إلى الحق تعالى ، وأمّا بالنسبة إلى الخلق فذاتية وصفاتية وأفعالية ، فمن أحب الذات فهو الكامل الأعلى ؛ لأنها منبع الكمالات ومن أحب الصفات فهو أدنى من محب الذات ، ومحب الأفعال له نوع من الكمال والأسماء دخل في الصفات ، والآثار داخل في الأفعال فتأمل على جلاء القلب حتى تّطلع على حقيقة الحال ، ومدار قوتها ، وضعفها على الوحدة والكثرة فلكما ارتفعت الحجب وقلّت أحكام الكثرة تقوى المحبة ، وكلما تكثر الحجب تضعف المحبة ؛ لأن التنافر يزيد ويقوى بكثرة أحكام الكثرة ، ويقل بقلتها ونتيجة المحبة من طرف الحق تعالى اصطفاؤه المحبوب من بين خلقه ، وأن يكون « سمعه وبصره » إلى آخر ما في الحديث ، وأن يحب العبد إياه ويختاره على ما سواه ويحب قهره كلطفه ، ويقول : كل ما يفعله الحبيب حبيب ، ومن طرف العبد