حسن بن موسى القادري
392
شرح حكم الشيخ الأكبر
إحسانه فيرغب في عملها وفي الغالب لا يمكنه تركها لعدم رجائه وطمعه في أعواض الطاعات ، فلا يصح الوقوف في طرف واحد بأن يكون خائفا لا راجيا أو بالعكس ، ولا أن يلاحظ الخوف في الطاعات والرجاء في المخالفات ، بل يجعل الأمر بالعكس ، فيلاحظ الثاني في الأول والأول في الثاني ، والمراد بملاحظة الرجاء في الطاعة وملاحظة الخوف في المعصية أن يرجح جانب الرجاء في الصورة الأول وجانب الخوف في الثانية وإلا فالعبد ملاحظ لهما فيهما ؛ لأن في ترك المعاصي يلاحظ العقاب والثواب ، أمّا الأول فبالنسبة إلى عملها ، وأما الثاني فبالنسبة إلى تركها وهما ملحوظان في الطاعة أيضا إلا أن الأول بالنسبة إلى تركها والثاني بالنسبة إلى فعلها عكس ما في المعصية . اعلم أن الحق تعالى وصف نفسه بالرضا والغضب حيث قال تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ المجادلة : 22 ] . وقال : « وسبقت رحمتي غضبي « 1 » » ، فعلى القول : بالتجلّي والسراية العالم كله ذا خوف ورجاء ، فيخاف من غضب اللّه ويرجو رضاء اللّه بناء على أن ظهور الصفات في العالم بظهور آثارها لا أعيانها ، فإن الخوف من آثار الغضب والرجاء من آثار الرضا ، أو العالم ذو رضا وذو غضب على القول : بأن ظهورها بأعيانها وكلاهما صحيح عند أهل الحق ؛ لأن الظاهر إمّا عين الصفات أو آثارها ، فالعالم إمّا الصفات الإلهية أو آثارها ولا فرق بينهما إلا بالإطلاق والتقيّد ، وكذا وصف نفسه بما يتعلق باللطف والرحمة من صفات جمالية وبما يتعلق بالقهر والغلبة من صفات جلاليّة ، فالعالم على هيبة وأنس فيدهش ويتحير من مشاهدة الأسماء الجلالية ويأنس بالأسماء الجمالية فترفع عنه الدهشة والحيرة ، فعلى هذا فالهيبة والأنس من آثار الأسماء الظاهرة في العالم ، وتارة يكون المظهر على هيئة مدهشة لمن شاهدها فيه ، وتارة يكون على أنس يرفع الدهشة عن الغير ، فحقا يكونان من ظهور أعيان الأسماء لا الآثار ، فالعبد ينبغي أن لا يقف عند شيء من هذه الحالات فينتقل من حالة إلى حالة من الخوف إلى الرجاء إلى الهيبة إلى الأنس وغير ذلك من الحالات ، فتارة في ضيق الخوف ، وتارة في فضاء الرجاء ، وتارة في الدهشة والحيرة ، وتارة في الأنس بمشاهدة اللطف والرحمة ، فلا يثبت على حال من الأحوال ، وحقا يظهر فيه علامات الكمال من الكمال .
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 2107 ) ، وأحمد ( 2 / 242 ) .