حسن بن موسى القادري
380
شرح حكم الشيخ الأكبر
أي : إن التفت إلى الأشياء ، ووقفت عندها نلت حظك منها ، وقد لا تنال حظك منها أصلا ، وعلى تقدير النيل قد يبقى لكل وقد لا يبقى ، وعلى التقدير تحجب بها عن الحق تعالى ، فإن الأشياء تمنعك من الوصول إليه تعالى ، ومن رؤيته ومشاهدته ، وإن بقيت بلا شيء بأن لا يبقى لك التفات إلى ما سواه تعالى نلت ووصلت حظك اللائق بك من اللّه تعالى ، ويبقى لك دائما ، وهذا النيل والوصول قد يكون قبل الممات ، وقد يكون بعده ؛ لأن الترقي يكون بعد الموت في المعارف الإلهية ، كما قرره الشيخ الأكبر في كتاب ( التجليات ) ، وقد اجتمع بمن سلف من الكبراء كذي النون المصري ، والجنيد ، وسهل بن عبد اللّه التستري ، والحلاج قدّس اللّه تعالى أسرارهم وأفادهم ذلك وغيره مما لم يكن عندهم . وقول اللّه تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [ الإسراء : 72 ] إنما هو بالنسبة إلى معرفة الحق تعالى لمن لا معرفة له أصلا . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله « 1 » » إنما هو فيما يتوقف حصوله على الأعمال ، فهو لا يحصل بعد الموت لانقطاع العمل بعده دون ما يحصل بفضل اللّه ورحمته ، فالفتح لازم للمجاهدة الكاملة إمّا في الدنيا أو في الآخرة ، لكنه لازم مفارق بل غير مفارق ؛ لأن الإنسان في الترقي من صورة إلى صورة ظاهرا وباطنا دائما وأنا فأنا ، لكن لا يشعر بالترقي لرقة الحجاب وتشابه الصور ، وكذلك الإيمان بأهل الكشف ، فإنه بالإيمان بهم يحصل الترقي في تفاصيل ما آمنوا به وألقوا السمع إلى مجملات الأصول والفصول من قوانين الحقيقة والتوحيد في الآخرة ، ومن هنا قالوا : إن القوم لا يشقى بهم جليسهم جعلنا اللّه من المؤمنين والمعتقدين بأهل الكشف واليقين بفضله وحرمة الرسول الأمين . 134 - من حفظت حواسه ، تعطّرت أنفاسه . ولا يمكن للعبد أن لا يقف عند شيء ولا يلتفت إلى شيء حتى يبقى بلا شيء ما لم تحفظ حواسه مما سوى الحق تعالى ، فإذا حفظت حواسه تكون أنفاسه مباركة معطرة ، كما
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .