حسن بن موسى القادري
357
شرح حكم الشيخ الأكبر
الخليقة صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله وسلم بقولهم : « سبحانك ما عرفناك حق معرفتك « 1 » » ، ولا يدرك الحق إلا الحق ، فمن يدّعي التجلّي الذاتي فدعواه غير مسلم له ، ولكن إذا اضمحلت الخلقية في الحقية ، وتحقق العبد بمقام كان اللّه ولا شيء معه ، وبمقام بي يسمع ، وبي يبصر فيقع التجلّي الذاتي ، فالعبد حقا يشاهد الذات لكن لا من حيث أنه عبد وخلق بل من حيث أنه حق ، فالحق يدرك الحق لا غير . وقوله : ( عن خلقه محجوب ) بتقديم ما حقه التأخير ، ولفظ الخلق يشير إلى ما ذكرنا ، وهذا لا ينافي ما مرّ من أن الحق لا تدرك ماهيته وحقيقته كما هو عليه لا له ولا لغيره لعلمه بنفسه أنه لا تدرك حقيقته ؛ لأن المراد بالإدراك هنا من وصف الإحاطة ، والمراد به هناك مع وصف الإحاطة فالاعتبار مختلف فالحكم صحيح ، فهو كقولنا : ( زيد كاتب ) أي : بالقوة زيد ليس بكاتب أي : بالفعل فلا تناقض أصلا ، وهذا كالتأكيد لما قبله وفيه ما ليس في الأول من الرموز والأسرار ، فلا يرد عليه أنه تكرار ، فلما عرفت أن الصفات مشهودة بالإجماع بين ما هو السبب في شهودها وبكون به ظهورها . 101 - بوجود الموجودات ظهرت الأسماء والصفات . فقال قدّس سرّه العزيز : ( بوجود الموجودات ظهرت الأسماء ، والصفات ) أي : كل من الموجودات العينية والأسماء والصفات مفتقر إلى الآخر في الوجود والظهور ؛ إذ لولا سريان الحق في الموجودات بصورة جمعه الأسمائي والصفاتي ما كان لها وجود وظهور ، فإنها في ذاتها معدومة لا تظهر إلا بالسريان المذكورة ، كما أنه لو لم تسر الحقائق المعقولة الكلية كالحياة ، والعلم في الموجودات العينية كزيد وبكر مثلا ما ظهر حكم فيها من أنه حي وعالم ، ولولا الموجودات العينية أيضا ما ظهرت الأسماء والصفات الإلهية ؛ إذ بالمعلومات ظهر العلم ، وبالمقدورات ظهرت القدرة وهكذا إلى آخر الصفات من غير التناهي ، فلا غنى لشيء من الحق والخلق ، بل كلّ مفتقر إلى الآخر ، كما قال الشيخ محي الدين بن العربي قدس سره في « فصوصه » في أول الكتاب : « فالكل مفتقر ما الكل مستغني هذا هو الحق قد قلنا : فلا تكني فإن ذكرت غنيا لا افتقار به ، فقد علمت الذي بقولنا :
--> ( 1 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 2 / 140 ) .