حسن بن موسى القادري

352

شرح حكم الشيخ الأكبر

وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا تتفكروا في ذات اللّه ، وتفكروا في آلاء اللّه « 1 » » . والحديث بالتقديم والتأخير وكون التخلية مقدما على التحلية يؤيد الأول ، ولأن الرؤية وغيرها من الأحكام مستلزمة للتقييد وهو من اللّه محال ، فرؤيته ممنوعة لمحاليتها ، فالإحاطة كالرؤية ممنوعة أيضا لعدم التناهي ، وما لا يتناهى لا يحاط به هذا ظاهر في حق غير اللّه تعالى ، وأمّا في حقه تعالى فكذلك عند هذه الطائفة ؛ لأنه تعالى عالم بنفسه أنه لا تدرك حقيقته ولا يحاط بها ، وعند علماء الرسوم ففيه خلاف فقال بعضهم : إنه لا يعلم نفسه لأنه يلزم منه الإحاطة وهي محال ، فالعلم بنفسه محال ، وقال بعض آخر منهم على وجه النصرة للحق تعالى : إنه يعلم نفسه على وجه الإحاطة ، وكلاهما على الحقيقة غير صحيح والأول أولى من الثاني ؛ لأن له وجها إلى الصحة دون الثاني ، وتفصيل هذا المقام بحيث يؤدي تمام المراد يحتاج إلى مجلدات كثيرة ، بل لا يؤدى بالعبارة ولا بالإشارة لا قليلة ولا كثيرة . فالذات من حيث هي لا ترى مع أنها عين ما يرى ، فاللّه تعالى من حيث البطون والكنزية لا يرى ، وعلى هذا يحمل الآية الكريمة ، ومن حيث الظهور يرى ؛ لأنه ظاهر كل شيء كما هو باطن كل شيء ومن هنا يقال : الحق تعالى هو الظاهر المحسوس والخلق هو الباطن المعقول ؛ لأن وجود الخلق بالعقل والخيال ، وفي نفس الأمر الوجود لغيره تعالى محال ، وإليه أشار الشيخ قدّس سرّه بقوله : ( ومشاهدة الصفات مجموعة ) أي : مشاهدة الغير أو العبد لصفات الحق تعالى إجماعي متفق عليها ؛ لأن المشهودات كلها إنما هي آثارها بل عينها ؛ لأنها مظاهرها ، والمظاهر عين ما ظهر فيها . وقال : في الأول بالرؤية ، والثاني بالمشاهدة إمّا لأن الاصطلاح على هذا أو تفننا في العبارة أو شيء آخر في رمز الإشارة ، فذات اللّه لا ترى لما مرّ ، وصفاته ترى لمنطوق الآية ونص الحديث المذكورين ، وهو المراد من القول : بأنه تعالى ذات لا ترى عين ما يرى ؛ لأن بطون الحق كنز لا يرى ، وظهوره هو عين ما يرى ، أو المراد ( بالرؤية ،

--> ( 1 ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ( 1 / 136 ) ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 3 / 263 ) ، والعجلوني في كشف الخلفاء ( 2 / 370 ) ، والهيثمي في مجمع الزوائد ( 1 / 254 ) .