حسن بن موسى القادري
338
شرح حكم الشيخ الأكبر
--> - وسكنت واستراحت من تعب البشرية سميت روحا ، فإذا تصفت من غبش الحس سميت سرّا لكونها صارت سرّا من أسرار اللّه حين رجعت إلى أصلها وهو سر الجبروت ، فإذا أراد اللّه تعالى أن يوصل عبده إلى حضرة قدسه ويحمله إلى محل أنسه ، أمده بواردات الأنوار كالمطايا فيحمل عليها في محفة العناية مروحا عليه بنسيم الهداية محفوفا بنصرة الرعاية ، فترحل الروح من عوالم البشرية إلى عوالم الروحانية حتى تصير سرّا من أسرار اللّه لا يعلمها إلا اللّه : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] ، فالأنوار التي هي الواردات مطايا القلوب تحملها إلى حضرة علام الغيوب ، وهي أيضا مطايا الأسرار تحملها إلى جبروت العزيز الجبار ، فالسلوك هداية ، والجذب عناية ، فوارد الانتباه والإقبال حمله سلوك ، ووارد الوصال حمله جذب ، فالأنوار التي هي مطايا القلوب تحملهم على وجهة السلوك إلا أنهم محمولون فيه بحلاوة نور الانتباه والإقبال ، فصار سلوكهم كأنه جذب ، وأما الأنوار التي تحملهم على مطايا الأسرار ، فإنها تحملهم على جهة الجذب ممزوجا بسلوك ، فيكونون بين جذب وسلوك ، وهذا الحمل أعظم ، واللّه تعالى أعلم . ثم بين كيفية السير على هذه المطايا وما يعوقها عن السير فقال : [ النّور جند القلب كما أنّ الظّلمة جند النّفس ، فإذا أراد اللّه أن ينصر عبده أمدّه بجنود الأنوار ، وقطع عنه مدد الظّلم والأغيار ] . قلت : الظلمة نكتة تقع من الهوى في النفس عن عوارض الوهم ، فتوجب العمى عن الحق لتمكن الباطل من الحقيقة ، فيأتي العبد ويذر على غير بصيرة ، قاله الشيخ زورق . قلت : قد تقدم أن النفس والعقل والقلب والروح والسر أسماء لمسمى واحد ، وهو اللطيفة الربانية النورانية المودعة في هذا القالب الجسماني الظلماني ، وإنما اختلفت أسماؤها باختلاف أحوالها ، وتنقل أطوارها ، ومثال ذلك كماء المطر النازل في أصل الشجر ، ثم يصعد في فروعها فيظهر ورقا ، ثم نورا وأزهارا ، ثم يعقد ثمرة ، ثم ينمو حتى يكمل ، فالماء واحد ، واختلفت أسماؤه باختلاف أطواره . هكذا قال الساحلي في بغيته . فعلى هذا يكون تقابل القلب مع النفس بالمحاربة كناية عن صعوبة انتقال الروح من وطن الظلمة التي هي محل النفس إلى وطن النور ، الذي هو القلب وما بعده ، فالقلب يحاربها لينقلها إلى أصلها وهي تتقاعد وتسقط إلى أرض البشرية وشهواتها ، فالقلب له أنوار الواردات تقربه وتنصره حتى يترقى إلى الحضرة التي هي أصله ، وفيها كان وطنه وكأنها جنود له من حيث أنه يتقوى بها وينتصر على ظلمة النفس . وهذه الأنوار هي الواردات المتقدمة ، والنفس لما ركنت إلى الشهوات واستحلتها صارت كأنها جنود لها ، وهي ظلمة من حيث أنها حجبتها عن الحق ومنعتها من شهود شموس العرفان ، فإذا هاجت النفس بجنود ظلماتها وشهواتها إلى معصية أو شهوة رحل إليها القلب بجنود أنواره ، فيلتحم بينهما القتال ، فإذا أراد اللّه عناية عبده ونصره ، أمد قلبه بجنود الأنوار ، وقطع عنه من جهة النفس مدد الأغيار ، فيستولى النور على الظلمة وتولي النفس منهزمة ، وإذا أراد اللّه خذلان عبده أمد نفسه -