حسن بن موسى القادري

334

شرح حكم الشيخ الأكبر

الجيب ما ينفقه ، ولا يخاف من التقتير والتقليل فينفق ما عنده ولا يمسكه ، فإن إنفاق الحاضر الموجود ليس مما يميز به العارف المقصود ؛ لأنه يشترك فيه من لم يكن عنده الغيب كالشهود ، فإذا رأينا أحدا ينفق جميع ما عنده ، ولا يمسك عنده شيئا إلا بقدر الاحتياج في وقت الاحتياج ، وفيما يحتاجه يؤثر الغير على نفسه أيضا فلا يحكم عليه بأنه عارف حقيقة ، وإنما هو عارف من جهة التحقق بصفة الرازقية ، وإن الرّازق والمعطي هو اللّه تعالى لا غير ، وكذلك إذا رأينا شخصا يمنع مما يطلب منه لا نحكم عليه بأنه غير عارف أصلا ؛ لأن المنع منه لا يكون إلا لمصلحة مقتضية لذلك من التخفيف على المحسنين إليه أو غرض آخر . ( إنما العارف من يأكل من الغيب ) أي : العارف الحقيقي إنما هو الذي يأكل من الغيب الذي لا يكون بواسطة الخلق ، بل يكون حصوله بدعاء العارف أو يأمره من غير واسطة سبب ظاهر من الأسباب العادية الظاهرة ، كما وقع لكثير من الأولياء لمّا كانوا في فضاء خال عن جنس المأكولات والمشروبات ، ولما اضطروا غاية الاضطرار طلبوا من اللّه تعالى فحضر عندهم من الغيب الطعام والشراب ولا يسافرون بلا زاد ، بل لا يجوز لهم السفر بلا زاد إلا إذا كانوا مستجابين الدعوة أو صاحب الأمر والتصرفات الكاملة ؛ لأن غيرهم حرام عليه السفر بلا زاد ؛ لأنه تهلكة وإيقاع النفس فيها منهي عنه قال اللّه تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] . وأيضا يجوز إن كان قادرا على عدم الأكل السفر بلا زاد ، لكن بقدر ما يصبر على عدم الأكل ومثل الأكل الشرب ، ولو قدر أن لا يأكل ولا يشرب أو لا يأكل ولا يشرب مدة عشرة أيام ، فيجوز له السفر بلا أكل أو بلا شرب ، أو بلا أكل ولا شرب مسافة عشرة أيام ولا يزيد عليها ، ويجوز أن يكون المراد بالغيب غير ما يكون من جهة معينة كأرباب المناصب والوظائف والأوقاف ، بأن يكون ما ينفقه ، ويأكله ليس من منصب ، ولا وظيفة ، ولا وقف ، وإن كان بواسطة سبب ظاهر ، لكن لا ينبغي حمل الكلام عليه وإن كان دليل العقل يميل إليه ؛ لأنه لا يقال له : عارف حقيقة ، بل هو متوكل معتمد على اللّه دون الأسباب ، وإنما العارف هو المتصرف في خلق اللّه وأمره بأمر اللّه ، كما وقع لعيسى عليه السلام أحيا سام بن نوح فنطق وشهد بنبوته ، ثم رجع إلى حالته وغير ذلك من إنشاء الطير وإبراء الأكمه والأبرص ، وكما وقع أيضا لأبي يزيد البسطامي قدّس سرّه حين