حسن بن موسى القادري
328
شرح حكم الشيخ الأكبر
80 - لا يسمى عارفا باللّه إلا من أبصر الحقّ وناجاه . ثم زاد في بيان العارف ببيان غير البيان الأول لما ذكر في الشيخ فقال قدّس سرّه : ( لا يسمى عارفا باللّه إلا من أبصر الحق وناجاه ) هذا هو الذي أشرنا إليه قبيل هذا ، وهو مبني على ما ذهب إليه الشيخ وحده من أن المشاهدة للحق تكون بالبصيرة وبالبصر أيضا وهذا هو الأتم الأكمل ، فلا يسمى حقيقة عارفا باللّه عبد من عباد اللّه إلا من أبصر وأدرك وشاهد الحق تعالى ببصره ، وناجى الحق الذي أبصره ، ويجوز أن يراد بإبصار الحق إدراكه بالبصيرة ، ويؤيد الأول ظاهر كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه حيث قال : « لم أعبد ربا لم أره » ، فلا تتم العبودية إلا بالرؤية والمشاهدة ؛ لأن بين خدمة الغائب والحاضر فرقا عظيما لرعاية الآداب في خدمة الحاضر المشاهد دون الغائب ، والكمال وعدمه في رعاية الآداب وعدمها ، فمن يكون أدبه أكثر فعبادته أنور وأكمل ، ومن لا فلا نور لعبادته كما حكي : إن عابدا كان في جزيرة بين الماء وحده ، وعنده أنواع الفواكه والخضروات من الأشجار والكلأ ، والماء العذب من العين ، وكان ليلا ونهارا في الطاعة ، ولما يصعد بها إلى السماء ما كان لها رونق في نظر الملائكة مع كثرتها فتعجبوا من هذا ، فأوحى اللّه إليهم أن سببه قلة أدبه ، وكمال الأدب عدم الغفلة ، وأن لا يحكم على الحق بما لا يليق بجنابه ، ومن الحكم عليه بما لا يليق حمل الإطلاق المقابل للتقييد عليه وقبوله في صورة دون صورة ، فإنه تعالى منزه عن التقيّد بصورة دون صورة ومطلق عن الإطلاق المذكور ، فله العموم المطلق والإطلاق الغير المقيد أي : الذاتي دون الصفاتي ، ولهذا الإطلاق لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات ، فالعارف باللّه معرفة تامة يبصر الحق تعالى ، ويشاهد هذا العموم والإطلاق فيه ، فلا يقيده بشيء ، ولا يطلقه عن شيء ، ولا يخرج منه شيئا ، ولا يدخل فيه شيئا ، فهو الأول قبل كل شيء ، والآخر بعد كلّ شيء ، والظاهر في كلّ شيء وبكلّ شيء ، والباطن في كلّ شيء ، وعن كل شيء ، فلا يناجي إلا إياه ، ولا يثبت ولا يرى غيره ، ويكون دائما لحضوره معه في الأدب ، ولا يسوء الأدب لحظة ، ولو وقع منه سوء الأدب ولو لحظة يحكم بردته ، ومع هذا في ستر نفسه عن الخلق لا يعرفه إلا الحق كما أنه لا يعرف إلا الحق ، ولا يرى إلا الحق ، ولا يقول ولا يسمع ولا يفعل إلا الحق وذلك ؛ لأن في الستر لسلامة ، وفي الشهرة لآفة .