حسن بن موسى القادري

323

شرح حكم الشيخ الأكبر

كما أشار إليه الشيخ قدس سره بقوله : ( أكل الشهوات يورث في القلوب القسوات ) أي : أكلك أيها السالك المريد لقطع السفر الشهوات أي : ما تشتهيه النفس لكن من حيث شهوتها يورث في قلبك القساوة ، وكذا أكل الشهوات لكلّ أحد يورث القسوات في قلوبهم ، والمراد ( بأكل الشهوات ) أكل ما تشتهيه النفس من اشتهائها لا بقصد القوة على الطاعة ، وغيره مما ينوي به الأولياء ، وليس مطلق الشهوات مورثا وموجبا لما ذكر ؛ لأن الشهوات إذا خرجت عن كونها شهوات بعارض من النية الصالحة لم يبق لها هذا الحكم لصيرورتها طاعات ، فعلم أن الضرر إنما هو في اللذة النفسانية دون الروحانية ، فمن صارت لذته روحانية لا تبقى له أمنية ، فيجوز له تناول الشهواتية كما وقع للأنبياء والأولياء فافهم ، أكلوا اللذائذ ، ولبسوا الملابس الفاخرة لكن بروحانيتهم لا بنفسانيتهم ، فإنهم خرجوا عن تحكم الشهوات البهيمية ، وثارت هياكلهم ، وأدركوا بالنور الحق والباطل ، وصاروا أئمة عدل ، فخلصوا من ورطة الشره الكامن في الطبيعة البشرية فيطالب العبد حقا بالبدء بنفسه ؛ لأنه أقرب جار إليه وحديث : « ابدأ بنفسك « 1 » » يشير إليه مع وجوب العدل عليهم مع رعيتهم حين انقادت ، ومن جملتها نفوسهم فيجب عليهم رعاية نفوسهم ، ولهذا جوعهم اضطراري لا اختياري كما عرفت قبل هذا ، ثم أعاد ذكر الشيخ ثانيا تعظيما لشأنه واهتماما بأمره إذ السلوك في الغالب إنما يكون به . 76 - الشيخ من أزال عنك كل حجبك . فقال قدس سره : [ الشيخ من أزال عنك كل حجبك ] أي : شيخك أيها السالك الطالب للسلوك والمرشد المسلك لك في الطريق إلى الحق تعالى هو الذي أزال عنك ويرفع لك ما يحجبك عن اللّه والوصول إليه والاشتغال به ، وهذه الإزالة لا تكون إلا باللّه ؛ لأنه لا يوصل إلى اللّه إلا اللّه لكن الشيخ لما كان باللّه يوصل المريد إلى اللّه بإذن اللّه من اللّه ، فعطف ( الشيخ ) رضي اللّه عنه على الجملة المذكورة قوله : [ واستأذن الحق لقربك ] عطف السبب على المسبب فإن استئذان الحق سبب لإزالة المحجب عن المريد ، وفيه أن السبب هو إذن الحق للشيخ بالإيصال للمريد لا استئذان الشيخ من الحق لإيصال المريد ، وأجيب بأن الاستئذان سبب الإذن وسبب السبب سبب ، فالشيخ المسلك للمريد يزيل الحجب عنه

--> ( 1 ) رواه النسائي في الكبرى ( 5 / 69 ) ، وابن حبان ( 8 / 128 ) ، البيهقي في شعب الإيمان ( 6 / 88 ) .