حسن بن موسى القادري

312

شرح حكم الشيخ الأكبر

فصلاح الأمير صلاح الرعية ، وفساده فسادهم ، وكما أن الجند يروح ويسلم على الأمير كل يوم وينتظر أمره فيه ، فكذا الأعضاء تسلم على اللسان كل يوم ، وتنتظر أمره فتقول : الأعضاء للسان إن تصلح نصلح ، وإن تفسد نفسد » . وهذا واقع وشاهد ، فإنه ربما يقتل صاحب اللسان بكلمة واحدة تكون كذبا ، أو ينهب ماله ، أو يضرب ، أو يخرج من المجلس ، وقد يصل في السير إلى العرش وفوقه فينزل من درجته ، وتسقط رتبته بكذب واحد ومن القلب عرق إلى اللسان ، وكذا الجوارح الباقية ، ويتصل بها ففساده فسادها ، وصلاحه صلاحها على ما ورد : « إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب « 1 » » و ( ألا ) في الحديث استثنائية إن كان لفظ إن نافية بمعنى ما أي : ما في جسد ابن آدم إلخ وتنبيهية إن كان مقالة للتأكيد ، وحقا يكون ( ألا ) بالتخفيف وفتح الهمزة ، وكذلك يلزم من صلاح الأعضاء صلاح القلب ، ومن فسادها فساده ، فالهوى إذا مال إلى السفل تفسد الجوارح ، وإن فسادها يفسد القلب ، وإذا مال إلى العلو وتوجهت إلى العبد سابقة العناية الأزلية صلح القلب ، ومن صلاحه يلزم صلاح الجوارح ، فالأمر هنا دوري كل من القلب والجوارح موقوف في الصلاح ، والفساد على الآخر ، فهذا طلسم من طلاسم الحق ، وموضع من مواضع الحيرة لا يحله أحد ، ولا يخرج منها إلا بعناية الحق تعالى ، ومنها تربية النفس ومعرفتها ، فإن معرفتها مطلوبة ؛ لأنها وسيلة لمعرفة الحق وهي مطلوبة ، فوسيلة المطلوب مطلوبة ، ومعرفتها موقوفة على تربيتها ، وتربيتها موقوفة على معرفتها فافهم . لكن هذا مبني على اعتبار الظاهر مع الباطن ، وإلا فالصلاح والفساد من القلب فقط ؛ لأنه الأصل ، والظاهر تابع للباطن وعليه ظاهر الحديث ، فمن حيث الإفاضة فالحكم للباطن ، ومن حيث الانصباغ فالحكم للظاهر ، وفي الحقيقة الحكم للظواهر ، ومن حيث أعيانها الثابتة واستعداداتها الأزلية سواء كان الحكم على أنفسها أو لا ، والحاصل أن الحكم بخصوصية كل حكم وأثر للمظاهر من حيث الأعيان ، وعلى المظاهر من حيث الوجود

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 28 ) ، وابن حنبل في المسند ( 4 / 270 ) ، البيهقي في السنن الكبرى ( 5 / 246 ) .