حسن بن موسى القادري
292
شرح حكم الشيخ الأكبر
فلهذا قال الشيخ قدّس سرّه : ( الخير كله مجموع في غيب خزائن الجوع ) أي : إذا كان الجوع أصل ما هو حلية الأبدال ، وبه تطيب السريرة وتنفتح البصيرة ، ويصفوا القلب ويصلح الحال ، وبه حصول ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فالخير كله دنيويا كان أو آخرويا ظاهريا أو باطنيا موجود مجموع في غيب هو خزائن الجوع من خواصها ومنافعها ، فإن الجنة أقرب من حبل الوريد لمن لا يشبع من الطعام ، لا سيما إذا كان لذيذ أو النار أقرب منه لمن يشبع ، لا سيما إذا كان الطعام لذيذا ، أو أيضا هو السبب الأصل لأن يصير الرجل حرّا قال الحسن البصري : « من ترك شهوته كمّل رجولته » . وقال الفضيل بن عياض رضي اللّه عنه : « خصلتان مفسدتان للقلب كثير الأكل والنوم » . وقال ذو النون المصري رحمه اللّه : « إذا كانت المعدة ممتلئة من الطعام لا تستقر الحكمة فيها ، وطوبى لمن كان شعاره الورع ، وقلبه زاهدا في الطمع ، ويحاسب نفسه فيما صنع » . وقال سليمان الداراني قدّس روحه : « لكل شيء صدأ ، وصدأ القلب كثرة الأكل » . وقال أيضا : « الاحتلام علامة العقوبة وهو من كثرة الأكل ، ومنها عدم حلاوة العبادة ، وقلة الحفظ ، وعدم الشفقة على الخلق ، وثقل العبادة ، وزيادة الشهوة وقبول الرذائل » . وقال أيضا : « الجوع خزانة مدخرة عند اللّه يعطيها إلى أحبائه » . فالجوع على هذا مفتاح الآخرة ، والشبع مفتاح الدنيا ، ولا يفتح باب البيت حتى يدخل فيه ، وينتفع بما فيه إلا بالمفتاح ، فالخير كله في الجوع ، والشرّ كله في الشبع فلا يذلل النفس إلا الجوع ، ولا يرقق القلب إلا الجوع ، ولا ينزل العلم اللدني على القلب إلا بالجوع . وقيل : أخذ اليد من الطعام قبل الشبع في ليلة أحسن من عبادة كل الليلة . وقيل : من عبادة ثلاث سنوات في ليالها ، وما وصل أهل اللّه إلى ما وصلوا إلا بالجوع ، فمنهم من اشتهت نفسه العسل أربعين سنة . وكان منهم من جعل بثلاثة أيام أكله واحدة . ومنهم من وصل إلى خمسة أيام .