حسن بن موسى القادري
26
شرح حكم الشيخ الأكبر
كان المشاهد والمبصر للعين ليس إلا ذات واحدة لكن الفعل والأثر يدلان على أن ثمّ ذات أخرى عنها كان هذا الفعل والأثر ، فالشد في الحرف بمنزلة الفعل والأثر ، ولها نسبة قريبة أيضا غير ما ذكر ، مع أن النون وهي إنها من العالم المهموس بالاعتبار المار سابقا ، والميم مرتبة ثانية للشفعية وهي الأربعة ، فإن لها المراتب الأربعة وهي الأربعون في العشرات ، وللنون مراتب خمسة وهي الخمسون ، والخمسة : هي المرتبة الثانية للفردية ؛ لأن أول الأفراد ثلاثة عند أصحاب العدد فلهما حكم المجاورة في العدد ؛ لأن الأربعين مجاورة لخمسين ، ولهذا تدغم النون في الميم ، وخفيت فيها ، وإن الميم أولها منعطف على أخرها كالواو والنون فأشبهتهما ، وللميم مرتبة ليست لغيرها وهي المرتبة الشفعية ، والنون كذلك فإنها من عالم الأنفاس والروائح فلها طريق في الخيشوم ليس لغيرها ذلك فكل منهما حرف شريف والميم لأبينا آدم ، ولنبينا محمد عليهما وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة ، وأكمل التسليم إلى الأبد فهما شريكان فيها . و ( الياء ) المتصلة بالميمين بسبب الوصلة بينهما ؛ لأنها حرف علّة . فعمل نبينا صلى اللّه عليه وسلم في آدم عليه السلام عملا روحانيا بالياء ، وإليه إشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كنت نبيا وآدم بين الماء والطين « 1 » » . وكذا وقعت في أول اسمه وآخر اسم آدم ، وعمل آدم في نبينا صلى اللّه عليه وسلم بالياء عملا جسمانيا فآدم أبو محمد ، وعيسى وأبونا في الجسمية ، ومحمد أبو آدم ، وأبونا وجد لعيسى ، فإن أبوه روح القدس ، وهو ابن لنبينا من حيث الروح ، ( فالياء ) لها أول العقد ؛ لأنّها من العشرة فلها الأحدية في إنشاء العقد ، ومرتبتها ثانية كالباء ؛ لأنها ثانية من الأربعة التي اختصت بها العدد من الآحاد ، والعشرات ، والمئات والآلاف . والباء هي الثانية من مراتب الحروف والوجود المطلق كما مرّ ، ولها البداية في اليقين وفي قوله تعالى : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [ فاطر : 2 ] ، فهي النفخة الرحمانية كما أنّ للباء بداية في الوجود ، فلذا صارت نقطتهما في التحت إلا إنه
--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 4 / 128 ) ، والطبراني في المعجم الكبير ( 18 / 253 ) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ( 6 / 90 ) .