حسن بن موسى القادري

257

شرح حكم الشيخ الأكبر

كما أشار إليه الشيخ قدس سره ثانيا بقوله : ( التوحيد فناؤك أيّها الموجود وحدك ، وبقاؤه فيك وبعدك ) أي : التوحيد الذي هو نهاية أن تفنى عن وجودك أيّها المدّعي بأنك موجود حال كونك منفردا عن هذا الفناء أي : ترى نفي وجودك فيك الثابت بزعمك ، وترى بقاء الحق ثابتا فيك ، وترى بعدك عنه ؛ لأنك عدم وهو وجود وبينهما بون بعيد فتعرف بقاؤه فيك بلا دخول ولا خروج ، ولا اتّصال ولا انفصال ؛ لأن الوجود لا يدخل في العدم ولو دخل لوجد ، ولا يخرج عنه ولو خرج لما ظهر ، وقد ظهر وكذا الاتّصال والانفصال ، وهذا لا يكون إلا بتجريد القلب عن الغيرية ، ورؤية الإثنينية في العينية ، والعينية في الإثنينية فحقا لا تحجبه الكثرة عن الوحدة ، ولا الوحدة عن الكثرة ، وحاصل التوحيد أن يثبت معنى مطلقا منزها عن الإطلاق ، وهو ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا مجزأ ولا مركب ولا داخل ولا خارج ولا متصل ولا منفصل ولا منزه ولا مشبه ولا مطلق ولا مقيد ، وهذه المعاني كلها مراتبه فظهر بالصور والمعاني كلها فتقع عليه العبارات كلها ، ومنزه عنها كلها ، ومنزه في بعض ، ومشبه في بعض ، فهو الواحد الأحد الموصوف بالوحدانية ، وهو المتعدد الموصوف بالإثنينية والغيرية ، فأنت أيها العبد لست بموجود بوجود زائد عن وجود الحق تعالى ، وأنت موجود من حيث هوية الحق لا من حيث أنك أنت فافن أنانتيك في حقيتك تكن موحدا وعبدا لربك ، وتكون منزها له عن كلّ خلقه ، وتنسحب عبادتك من هنا على جميع عبادة عبدها أحد من الخلق إلى حين وجودك . ومن هنا قال الشيخ قدس سره : « من عبد الاسم فهو كافر ، ومن عبد المسمّى فهو مشرك ، ومن عبد المعني فهو منزه للحق عن جميع الخلق » . فما سوى الحق اسم والحق المطلق المنزه عن القيود مسمّى ، والمطلق عن هذا الإطلاق المقابل للتقييد معنى فافهمه فإنه لطيف فإذا أوعيت هذا فهذا التوحيد هو الذي يقول به المحققون الكاملون الواصلون بعد التمكين إلا برد اليقين عندهم الحق بديهي ضروري ، ولا حاجة للكسب والفكر والمجاهدة ، فليس أحد من الوجودين يوحد اللّه بهذا التوحيد سواهم فإنهم المجبولون على الدين الخالص ، المؤيدون بتأييد الحكيم الخبير ، المتصفون بصفات المولّى القدير فعلموا بهذا التوحيد بعلم اللّه أو باللّه أو بإعلام اللّه على اختلاف درجاتهم .