حسن بن موسى القادري

255

شرح حكم الشيخ الأكبر

عندها فلا يقع بعدها تجلّي آخر ، وكذا يطلب بلسان الاستعداد زيادة العلم بالحق فيقول : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، فلا الطالب من العبد يتناهى ، ولا التجلي والإفاضة من الحق ، ومن هنا قال أبو يزيد البسطامي قدس سره : « الرجل يتحسى بحار السماوات والأرض ، ولسانه خارج يلهث عطشا » . وقال أيضا شعر : شربت الحبّ كأسا بعد كأس * فما نفذ الشّراب وما رويت فالعارف دائما عطشان ؛ لأنه لا يمتلئ ولو امتلأ ارتوى ، ومن إن قلب العارف باللّه وسع كل شيء ؛ لأنه وسع الحق تعالى ، فيكون وسعه له باعتبار العلم والشهود ، أو باعتبار الإحاطة والجامعية لها ، فإنها حقيقة للأشياء جامعة لها . 51 - القوم لا يتكلمون في دفاترهم إلا ببعض ما شاهدوه ببصائرهم . فلو تكلم بجميع ما تكلم به الغير فما تكلم إلا ببعض ما عنده ، وكل ما تكلم به من الغيبيات فهو بعض ما شاهده ببصره فضلا عن بصيرته ، وإليه الإشارة بقول الشيخ قدّس سرّه : ( القوم لا يتكلمون في دفاترهم إلا ببعض ما شاهدوه ببصائرهم ) أيّ : القوم المعروفون وهم المحقّقون الموقنون الموحدون توحيدا حقيقيا ذوقيا شهوديا الذين من آدابهم وسيرتهم ظاهرا وباطنا المحبّة الخالصة للّه تعالى التي ليس فيها طلب كشف الحجاب ورفع العقاب ، ولا حصول الثواب ، وفناء من نفوسهم وغيرهم لا عمل مكدود ولا بقاء مع شيء مما في الدارين لا يتكلمون في دفاترهم ، ولا يألفون في كتبهم إلا بعض ما شاهدوه ورأوه ببصائرهم أي : أبصارهم لا بصيرتهم ؛ لأن الشهود عند المؤلف قدس سره على ما قال في اصطلاحاته الخاصة هو : الرؤية بالبصر . وعند بعضهم : هو الرؤية بالبصيرة بحيث تشابه الرؤية بالبصر كمال المشابهة ، ولا يتكلمون بجميع ما شاهدوه ببصائرهم ؛ لأنهم لو تكلموا به لأدى إلى المحال ، والمؤدي إلى المحال محال وذلك ؛ لأن قلبهم يسع الحق لّما مرّ ، والحق يسع الأشياء كلها ، فالقلب يسعها أيضا فتكون كلماته كلمات الرب وورد : لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي [ الكهف : 109 ] ، فكلمات الرب غير نافدة ، فكلمات العارف كذلك فلا يتكلم ، بل لا يمكن التكلم إلا ببعض ما شاهدوه ، أو نقول : لا يتكلم القوم إلا بالبعض دون الكل ؛ لأن