حسن بن موسى القادري
242
شرح حكم الشيخ الأكبر
--> - الأمور كلها عنده ذوقية لا خبرية ، يعرف ربه من نفسه ، كما علم الحق العالم من علمه بنفسه ، لا يؤاخذ بالجريمة ، عظمته في ذلته وصغاره ، فلا ينتقل عن ذلته في موطن عظمته دنيا وأخرى ، هو في عمله بحسب علمه ، إن اقتضى العمل عمل ، وإن اقتضى أن لا يعمل لم يعمل ، عنده خزائن الأمور بحكمه ، ومفاتيحها بيده ، ينزّل بقدر ما يشاء ، ويخرج ما يشاء ، غوّاص في دقائق الفهوم عند ورود الصلوات ، له نعوت الكمال ، له مقام الخمسة في حفظ نفسه وغيره ، وينظر في قوله : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] فلا يتعداه ، يدبر أمور الكون بينه وبين ربه ، كالمشير العالم الناصح في الخدمة ، القائم بالحرمة ، لا أينية لسره ، لا يبخل عند السؤال ، ينظر في الآثار الإلهية الكائنة في الكون ؛ ليقابلها مما عنده لما سمع قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [ فصلت : 53 ] ، يسمع نداء الحق من ألسنة الخلق ، يسع الأشياء ولا يسعه سوى ربه ، فهو أينه وعينه ، مراقب للأوامر الإلهية الواردة في الكون ، ثابت في وقت التزلزل ، لا تزلزله الحادثات ، ليس في الحضرة الإلهية صفة لا يراها في نفسه ، يظهر في أي صورة شاء بصفة الحياة ، مع الوقوف عند الحدود ، يعرف حقه من حق خالقه ، يتصور في الأشياء بالاستحقاق ، ويصرف الحق فيها بالاستخلاف ، له الاقتدار الإلهي من غير مغالبة ، لا تنفذ فيه همم الرجال ، يحصى أنفاسه بمشاهدة صورها ، فيعلم ما زاد وما نقص في كل يوم وليلة ، ينظر في المبدأ والمعاد ، فيرى التقاطر في الدائرة ، يلقي الكلمة في المحل القابل ، فيبدو صورته وحاله في أي صورة كان ، ما يطأ مكانا إلا حيي ذلك المكان بوطئته ؛ لأنه وطئته بحياة روحية ، إذا قام قام بقيامه ربه ، ويغضب لغضبه ، ويرضى لرضاه ، فإن حالته في سلوكه كانت هكذا فعادت عليه هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] ، لا يخطر له خاطر في شيء إلا تكوّن ، ولا يعرف ذلك الشيء أنه كونه له ، على الأشياء شرف البصر على العماء لا شرف الاستواء فهو وحيد في الكون ، غير معروف العين ، من لجأ إليه خسر ولا تنقضي حاجته إلا به ؛ فإنه ظاهر بصورة العجز وقدرته من وراء ذلك العجز ، لا يمتنع عن قدرته ممكن ، يحسن للمسيء والمحسن ، يرجع إلى اللّه في كل أمر ، ولا ينتقم لنفسه ولا لربه إلا بأمره الخاص ، فإن لم يأمره عفا بحق ؛ لشهوده السابقة في الحال ، القليل عنده كثير ، والكثير قليل ، يجري مع المصالح فيكون الحق له ملكا ، يسبح أسماء اللّه تعالى بتنزيهها من أن تناله أيدي الغافلين ، غيرة على الجناب الإلهي من حيث كونها دلائل عليه دلالة الاسم على المسمى ، إن ولي منصبا يعطى العلوم ، لم ير فبه متعاليا باللّه فأحرى بنفسه ، يعدل في الحكم ولا يتصف بالظلم ، جامع علوم الشرع من عين الجمع ( 1 ) ، مستغن عن تعليم المخلوقين بتعليم الحق ، ويعطي ما تحصل به المنفعة ، ولا يعطي ما تكون به المضرة ، إن عاقب فتطهير ، لا تبقى مع نور عدله ظلمة جور ، ولا مع نور علمه ظلمة جهل ، يبين عن الأمور بلسان إلهي ؛ ليكشف غامضها ويجليها في منصتها ، يرث ولا يورث بالنبوة العامة ، يتصرف ويعمل ما ينبغي ، يؤذى فيحلم عن مقدرة ، وإذا أخذ فبطشه شديد ؛ لأنه خالص غير مشوب برحمة . قال أبو يزيد : بطشي أشد من بطش اللّه . فهذه بعض صفات العارف من بعض ما ذكره في الفتوحات في باب المعرفة . -