حسن بن موسى القادري

235

شرح حكم الشيخ الأكبر

( والباء ) قد ذكرناها في أول الكتاب ، وهي بمنزلة النفس ؛ لأنها حرف ظلماني فهي حاجبة بين العبد والرب ، وقالوا : أول الحجاب ظلمة الوجود ، وليس في لفظ المحبّة حرف ظلماني إلا الباء ، وهي هذا ( بجد وزفشت ضظغ ) والباقي من الحروف النورانية ، وهي هذه ( اهحطي كلمن سعصقر ) ، ومن هنا صارت النقطة تحته ؛ لأن الباء فوق النقطة كالثوب فوق اللابس وبه حجب نور النقطة ، وظهور النقطة وراء الباء والحقيقة وراء ما ظهر من المحسوسان ، وبرزت الباء في الاثنين لا بها بعدت بعدين ؛ لأن النقطة لا بعد لها من الطول والعرض والعمق ، فالألف ظهرت في مرتبة الواحد لبعده منها ببعد واحد ، والجيم برزت في الثلاثة ؛ لأنها حازت بالأبعاد الثلاثة ، والواحد عدد لا كالأعداد فهو شيء لا كأشياء ، والباء هو العرش أيضا ، والعرش النفس الناطقة المسمّاة بالقلب الذي يسع الرب ، فالنقطة غيب الهوية التي لا تزول عن خفائها أبدا ، والباء مستوى الأعداد لا عدد إلا والباء موجودة فيه ، والرحمن مستوى الرب وصفاته النفسية ، والباء حرف نكرة في نفسه محتاجة إلى التعريف وهو النقطة وإلا لم يتميز من التاء والتاء ، وليس له مثال في المجردات ، فلو رفع عنه التعريف لم يبق له محل تصير إليه ، ولا صورة يعال عليها . والحرف الرابع ( الهاء ) ، وهو إشارة إلى الهوية السارية في الموجودات ، وإلى أنها محيطة بالأشياء ، فلا ظهر لشيء إلا بسراينها ، والبياض الذي في جوفها الإنسان الكامل الذي به نظر الحقّ إلى الخلق أو العالم ؛ لأنه لا وجود له إلا بنظر اللّه تعالى إليه ، فلو لم يكن نظره إلى العالم لفنى بأجمعه ، كما أنه لو لم تدر دائرة الهاء على البياض ما كان له وجود أصلا بالنسبة إلى الدائرة ، ومع وجوده بالدائرة باق على ما هو عليه من العدم ؛ لأن البياض على ما هو عليه قبل استدارة الهاء به بعدها أيضا ، فكذا العالم بعد وجوده على الحالة التي كان عليها قبل خلقه تعالى إيّاه ، أو جوف الدائرة هو الحق ، والدائرة هي الخلق ؛ إذ الحق باطن في الخلق فجمع هذا اللفظ جميع الأسرار إجمالا ، واجتمع فيه مخارج الحروف التي هي مبني الكلم والكلام ، فإن ( الميم ) و ( الباء ) شفوية ، و ( الحاء ) وسطي ، و ( الهاء ) حلقي ، وكل منها في مركزه إلا الباء فإنه شفوي وقع الوسط إشارة إلى أن الحب منه وبه وإليه . فمن عرف هذه الأسرار يعرف أن لهذا اللفظ شأن عظيم كيف لا ؟ ! وهو مشترك بين الحق والخلق ، وإن كان في الحقيقة ليس إلا الحق ؛ لأنه قد ثبت بالنص لكن في طرف الحق ذاتي وأصلي ، ومن طرف الخلق عارضي وفرعي ، والفرع راجع إلى أصله ، فيصير محبّة