حسن بن موسى القادري

214

شرح حكم الشيخ الأكبر

وكان من دعاء داود عليه السلام : « اللهم إني أسألك حبّك ، وحب من يحبك ، والعمل الذي يبلغني حبك اللهم اجعل حبك أحبّ إلي من نفسي ، وأهلي ومن الماء البارد » . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول اللّه تعالى : « من عادى لي وليا فقد أذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء الفرائض ، وأداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، وإن استعاذ بي لأعيذنه « 1 » » « 2 » .

--> ( 1 ) ذكره ابن الجوزي في إيثار الإنصاف ( 1 / 105 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 6502 ) . فائدة جليلة في شرح هذا الحديث : قلت : هو حديث عمدة في الإسلام ، وقيل فيه : أن الإيمان به من أصعب ما جاء به الشرع لأنه يقتضي الإيمان بمن هو مثلك في الصفات البشرية باعتباره محلى بصفات الحق تبارك وتعالى ، فيسمع بسمعه ويبصر ببصره ، وها أنا أذكر لك طرفا من أقوال أهل العلم الثقات في هذا الباب الذي فيه تصريح بمكانة الأولياء الذين ابتلوا بمعاداتهم والإنكار عليهم . قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني : اعلم أن طريق القوم مشيّدة بالكتاب والسنة ، وأنها مبنيّة على سلوك أخلاق الأنبياء والأصفياء ، وأنها لا تكون مذمومة إلا إذا خالفت صريح القرآن أو السنة أو الإجماع لا غير ، وأمّا إذا لم تخالف فغاية الأمر أنه فهم أوتيه رجل مسلم ، فمن شاء فليعمل به ، ومن شاء تركه . ونظير الفهم في ذلك الأفعال وما بقي الإنكار في ذلك إلا سوء الظن بهم ، وحملهم على الرياء ، وذلك لا يجوز شرعا ، ثم أن العبد إذا دخل طريق القوم وتبحّر فيها أعطاه اللّه تعالى هناك قوة الاستنباط نظير الأحكام الظاهرة على حدّ سواء ، فيستنبط في الطريق واجبات ومندوبات وآدابا ومحرّمات ومكروهات نظير ما فعله المجتهدون ، وليس إيجاب مجتهد باجتهاده شيئا لم تصرّح الشريعة بوجوبه أولى من إيجاب ولي اللّه تعالى حكما في الطريق لم تصرّح الشريعة بوجوبه . وإيضاح ذلك أنهم كلهم عدول في الشرع اختارهم اللّه تعالى لدينهم ، فمن دقّق النظر علم أنه لا يخرج شيء من علوم أهل اللّه تعالى عن الشريعة ، وكيف تخرج علومهم عن الشريعة والشريعة هي وسيلتهم إلى اللّه تعالى في كل لحظة ! ولكن أصل استغراب من لا إلمام له بأهل الطريق أن علم التصوف من عين الشريعة كونه لم يتبحّر في علم الشريعة . ولذلك قال الجنيد رحمه اللّه تعالى : علمنا هذا مشيّد بالكتاب والسنّة . ردّا على من توهّم خروجه عنها في ذلك الزمن أو غيره ، وما بلغنا قطّ عن أحد من القوم أنه نهى أحدا -