حسن بن موسى القادري

208

شرح حكم الشيخ الأكبر

قال اللّه تعالى على ألسنة الرّسل : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [ البقرة : 43 ] . اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا [ آل عمران : 200 ] ، وَجاهَدُوا [ البقرة : 218 ] . فإن وجدت الإرادة الإلهية مع هذا يقع المأمور بلا تخلق ، وإلا فلا لتوقف الامتثال على الإرادات . ولهذا ترى الأمر الإلهي يأتي إلى الخلق ، فمنهم عامل ، ومنهم متخلف عن العمل ، فعلم من هذا أن الأمر الإلهي قد يكون بما يوافق الإرادة ، وقد يكون بما يخالفها ، فالأول يقع في الحال ، والمأمور المتمثل يوصف بالطاعة ، ويسمّى مطيعا ، والثاني لا يقع ، والمأمور يوصف بالمخالفة والمعصية ، ويسمّى مخالفا وعاصيا ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « شيبتني هود وأخواتها أي : أظهرت الشيبة في لحيتي سورة هود ، وأخواتها لما تحوي عليه من قوله : ( فاستقم كما أمرت ) « 1 » » . والذي شيبه صلى اللّه عليه وسلم قوله تعالى في سورة هود : كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] ، فإنه لا يدري دائما أن الأمر الإلهي هل هو بما يوافق الإرادة فيقع المأمور فيتصف بالطاعة ، أو بما يخالف الإرادة ، فلا يقع المأمور به ، فيتصف بالمعصية ، قاله الشيخ الأكبر في فصوصه . قال الشيخ الجيلي قدّس اللّه سرّه : « إن غاية المطلوب في سر السلوب ، ومواهب التجديد في حقائق التجريد ، والظفر بسر الأحد في نفي العدد » . وقال : « فمن ترك ما ظهر ظفر بسر القدر ، ومن ملأ النظر من جمال مظاهر الصور عمى عن سر توحد في باطن عين الخير ، فمن تجرد ، ومن تفرد توحد ، ومن تكثر تعدد ، ومن تعدد تقيّد ، ومن تقيد تلذذ ، ومن تلذذ تدبدب ، ومن تدبدب تعذب ، ومن خرج عن كلّ ذلك شهد ما هنالك ، ومن لم يكن كذلك أسقط في مهاوي المهالك » انتهى . فخذلك أيها السالك من هو نتيجة الباطن والظاهر ، ولا تبدل الطول بالقاصر ، ولا تبع بالذر الدر الفاخر ، واطلب النور الباهر بأمر الملك القاهر ، وكن من البسائط ، واترك

--> ( 1 ) رواه الترمذي في السنن الكبرى ( 5 / 402 ) ، وأحمد في الزهد ( 1 / 9 ) بنحوه ، والحاكم في المستدرك ( 2 / 374 ) .